عاجل

من تركيا إلى إسرائيل وأمريكا.. ماذا يحدث في سوريا خلال 72 ساعة؟

سوريا
سوريا

كشفت الولايات المتحدة عن اتصالات سرية بين سوريا وإسرائيل، بالتزامن مع قرار واشنطن رفع اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، في خطوة تزيل عقبة قانونية رئيسية أمام جهود إعادة إعمار البلاد، لكنها في المقابل تضع ضغوطًا متزايدة على الرئيس السوري أحمد الشرع للمضي نحو اتفاق مع إسرائيل، وسط مفاوضات أمنية حساسة بين الجانبين.

وجاءت هذه التطورات بالتزامن مع اجتماعات سورية إسرائيلية استضافتها العاصمة الأردنية عمان خلال الأيام الأخيرة، بوساطة أمريكية، في محاولة لاحتواء التوترات المتصاعدة ووضع إطار للتعامل مع الملفات الأمنية والسياسية العالقة بين دمشق وتل أبيب.

رفع اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب

وكان من المنتظر أن تعلن الولايات المتحدة رسميًا رفع اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، بعد نحو 47 عامًا من إدراجها عليها، وذلك بعدما أبلغ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الكونجرس في يوليو الماضي عزمه إنهاء هذا التصنيف.

وقال وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت، يوم الإثنين، إن الإجراء يستهدف منح الشعب السوري فرصة جديدة لتحقيق الاستقرار والازدهار، مشيرًا إلى أن رفع العقوبات من شأنه تشجيع المزيد من الاستثمارات في سوريا ودعم استقرارها السياسي والاقتصادي.

وفي خطوة أخرى، ألغت واشنطن تصنيف «جبهة النصرة» كمنظمة إرهابية، بعدما أعلنت الجماعة عام 2016 قطع صلاتها بتنظيم القاعدة، قبل أن تعيد تسمية نفسها وتندمج لاحقًا في هيئة تحرير الشام عام 2017.

واشنطن تضغط باتجاه السلام

ومع انفتاح واشنطن على الحكومة السورية الجديدة، يبدو أن الإدارة الأمريكية تتوقع من دمشق تقديم خطوات مقابلة، أبرزها وضع خارطة طريق لاتفاق سلام مع إسرائيل، بما ينهي حالة الحرب الرسمية المستمرة بين البلدين منذ عقود.

ويمثل هذا المسار تحولًا سياسيًا لافتًا بالنسبة للشرع، الذي ارتبط صعوده السياسي والعسكري سابقًا بخطاب وأيديولوجية معادية للولايات المتحدة وإسرائيل.

وقال مصدر سوري التقى مؤخرًا المبعوث الأمريكي توم باراك إن واشنطن ترى في الشرع فرصة لفتح صفحة جديدة في العلاقات السورية الإسرائيلية، موضحًا أن وجود قيادة سورية جديدة مستعدة للتخلي عن الأيديولوجيات المتطرفة، إلى جانب رغبة السوريين في إنهاء سنوات الحرب، قد يهيئ الظروف أمام اتفاق سلام.

وكان ترامب قد كلف باراك، المبعوث الأمريكي إلى سوريا والعراق، بالعمل على صياغة مسار يقود إلى سلام بين سوريا وإسرائيل.

سقوط الأسد يعيد رسم خريطة النفوذ

وأدى التغيير السياسي الذي شهدته دمشق قبل نحو 18 شهرًا إلى إعادة ترتيب واسعة لموازين القوى في المنطقة، بعدما أطاحت الفصائل المسلحة بقيادة أحمد الشرع بالرئيس السابق بشار الأسد.

وأضعف سقوط الأسد النفوذ الذي كانت تتمتع به إيران وروسيا في سوريا، لكنه في الوقت نفسه فتح الباب أمام منافسة جديدة بين إسرائيل وتركيا، التي أصبحت أحد أبرز الداعمين الإقليميين للحكومة السورية الجديدة، وصاحبة نفوذ متزايد في الملفات الأمنية والعسكرية داخل البلاد.

وتسببت هذه التطورات في تعقيد جهود واشنطن الرامية إلى التأثير في شكل النظام السوري الجديد وترتيب علاقاته الإقليمية.

محادثات عمان.. ملفات أمنية شائكة

وجاء قرار رفع اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب بعد يوم واحد من اجتماع جمع مسؤولين سوريين وإسرائيليين في عمّان، لبحث إمكانية إحياء ترتيبات أمنية تعود إلى عقود مضت.

وعقد الاجتماع يوم الأحد، بوساطة أمريكية، وجمع رئيس جهاز الموساد الإسرائيلي رومان غوفمان ووزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، بحضور مسؤولين أمريكيين، في محاولة لاحتواء التصعيد الأخير وفتح قنوات للتفاهم بشأن القضايا الأمنية.

ووفقًا لمصادر سورية مطلعة، جددت دمشق خلال الاجتماع مطالبتها بانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي السورية، بالتزامن مع سعيها إلى تقديم تطمينات بشأن طبيعة الوجود التركي وغيره من أشكال الانتشار العسكري داخل سوريا.

كما تناولت المباحثات الخلافات المتعلقة بمحافظة السويداء ذات الغالبية الدرزية، والتي تحولت إلى إحدى أكثر القضايا حساسية في العلاقة بين دمشق وتل أبيب.

لماذا اختيرت عمّان؟

ويرى مصدر سوري مطلع أن اختيار العاصمة الأردنية لاستضافة المباحثات يحمل دلالة مهمة، نظرًا إلى العلاقات التي تربط الأردن بالولايات المتحدة وإسرائيل وتركيا وسوريا في الوقت نفسه.

كما تستضيف المملكة قوات أمريكية بموجب اتفاقية دفاعية، في حين ترتبط بعلاقات أمنية مع كل من أنقرة ودمشق، فضلًا عن امتلاكها معاهدة سلام مع إسرائيل.

وقال المصدر إن منح الأردن دورًا أكبر في هذه العملية يتوافق مع رغبة إسرائيل في تقليص دور وسطاء سابقين، وعلى رأسهم قطر، خصوصًا بعد تدهور العلاقات الإسرائيلية القطرية عقب الهجوم الذي شنته إسرائيل على الدوحة في محاولة لاستهداف قيادات من حركة حماس.

دمشق تطالب بانسحاب إسرائيل

وكشفت مصادر سورية أن دمشق أثارت خلال اجتماع عمّان قضية المواقع العسكرية الإسرائيلية التي أقامتها إسرائيل بعد سقوط الأسد في ديسمبر 2024.

وتضم هذه المواقع تسع نقاط عسكرية أقامتها إسرائيل في مناطق جنوب سوريا، في خطوة اعتبرتها دمشق خرقًا لترتيبات وقف إطلاق النار الموقعة عام 1974، والتي أنشأت منطقة منزوعة السلاح وفرضت قيودًا على القوات والأسلحة المنتشرة قرب خط الفصل بين البلدين.

وتعود جذور هذا الترتيب إلى حرب أكتوبر 1973، عندما حاولت سوريا استعادة مرتفعات الجولان التي احتلتها إسرائيل، قبل التوصل إلى اتفاق فض الاشتباك عام 1974.

وبعد سقوط الأسد في 8 ديسمبر 2024، عبرت القوات الإسرائيلية خط وقف إطلاق النار، وأقامت مواقع عسكرية جديدة في مناطق قريبة من الحدود السورية.

ووفقًا لأحد المصادر السورية، فإن إسرائيل قد تكون مستعدة للانسحاب من هذه المواقع إذا حصلت على ضمانات بعدم عودة الجيش السوري إليها.

وتقع معظم هذه المواقع في محافظة درعا جنوب سوريا بالقرب من الحدود الأردنية، بينما توجد مواقع أخرى في محافظة القنيطرة القريبة من دمشق.

إسرائيل تطلب «تنازلات سياسية»

لكن المفاوضات لا تقتصر على الترتيبات العسكرية، إذ تسعى إسرائيل، وفق المصادر السورية، إلى الحصول على تنازلات سياسية من دمشق، في إطار المساعي الأمريكية للتوصل إلى اتفاق سلام رسمي بين البلدين.

ويعمل توم باراك على هذا الملف إلى جانب مهمته كمبعوث أمريكي إلى سوريا والعراق، بينما يشغل أيضًا منصب السفير الأمريكي لدى تركيا، ما يمنحه دورًا محوريًا في التعامل مع التنافس المتزايد بين أنقرة وتل أبيب داخل الساحة السورية.

وكان باراك قد توسط في يناير الماضي في اتفاق بين سوريا وإسرائيل لتبادل المعلومات الاستخباراتية واستكشاف فرص التعاون التجاري، لكن هذه التفاهمات تعرضت لانتكاسة بفعل تصاعد الضربات والتوغلات الإسرائيلية داخل الأراضي السورية، خاصة في المناطق القريبة من الجولان.

غارات أبو الظهور تعيد التوتر

وتصاعد التوتر مجددًا بعد الغارات الإسرائيلية التي استهدفت الأسبوع الماضي قاعدة جوية في محافظة إدلب شمال سوريا، في ضربة أثارت انتقادات أمريكية نادرة.

وبررت إسرائيل الهجوم بالاشتباه في استعداد تركيا لتعزيز وجودها العسكري داخل القاعدة، وهو ما نفته دمشق، بينما نفت أنقرة وجود بعثة عسكرية تركية في الموقع وقت الضربة.

وتعد هذه الموجة من الضربات جزءًا من سلسلة تحركات عسكرية إسرائيلية في سوريا منذ سقوط الأسد، شملت استهداف منشآت ومعدات عسكرية سورية، فضلًا عن تدخلات مرتبطة بالتطورات في السويداء.

السويداء.. عقدة جديدة في المفاوضات

كما تناولت محادثات عمان ملف علاقة إسرائيل بالدروز في السويداء، والتي تعززت بعد التدخل الإسرائيلي في المحافظة خلال يوليو 2025.

وبحسب مصدر سوري التقى باراك، فإن التصور الأمريكي للحل يقوم على صيغة لدمج القوى المحلية في إدارة السويداء، من خلال إسناد مناصب قيادية في الإدارة وقوات الأمن إلى شخصيات درزية كانت في السابق ضمن صفوف المعارضة.

وتشبه هذه الصيغة، الترتيبات التي يجري العمل عليها مع الأكراد في شمال شرق سوريا، حيث تلعب تركيا دورًا مؤثرًا في تحديد مسار التطورات.

واشنطن لا ترى تركيا عائقًا

ورغم التنافس المتصاعد بين إسرائيل وتركيا داخل سوريا، لا يبدو أن واشنطن تعتبر أنقرة عقبة أمام التوصل إلى اتفاق سلام سوري إسرائيلي.

وقال المصدر السوري إن باراك يرى أن تركيا يمكن أن تتعامل مع أي اتفاق مستقبلي، مستشهدًا بتجربة أنقرة مع روسيا بعد تدخل موسكو في الحرب السورية عام 2015.

ووفقًا للمصدر، فإن تركيا قد تقبل هذه المرة بدور أمريكي أكبر في تحديد المسار السياسي والأمني لسوريا.

الشرع أمام اختبار جديد

وبالنسبة إلى أحمد الشرع، أصبح الدعم الأمريكي عنصرًا أساسيًا في قدرة حكومته على تثبيت أركانها ودفع الاقتصاد السوري نحو التعافي، خاصة بعد قرار واشنطن رفع اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب.

وفي كلمة له، رحب الشرع بالقرار، معتبرًا أنه يفتح الطريق أمام مرحلة جديدة، وقال إن سوريا تتخلص من وصمة سوداء وتطوي فصلًا مؤلمًا من ماضيها، تمهيدًا للانطلاق نحو التنمية وإعادة الإعمار.

لكن في المقابل، يضع الانفتاح الأمريكي دمشق أمام استحقاقات سياسية وأمنية جديدة، في مقدمتها التعامل مع إسرائيل، وضبط التوازنات الإقليمية، والتوصل إلى ترتيبات بشأن الوجود العسكري الإسرائيلي والتركي، بما قد يجعل مسار السلام السوري الإسرائيلي أحد أبرز الاختبارات أمام الحكومة الجديدة خلال المرحلة المقبلة.

تم نسخ الرابط