النائب عادل زيدان: «العودة إلى الريف» ليست عودة للماضي.. بل بناء ريف حديث
في حوار اتسم بالبساطة والوضوح وارتبط بصورة مباشرة بقضايا التنمية والإنتاج ومستقبل الريف المصري، استضاف موقع «الحرية» النائب عادل زيدان، رئيس مجلس أمناء مؤسسة أفرولاند للتنمية المستدامة، في لقاء تناول تجربته الشخصية والمهنية، ورؤيته لمستقبل التنمية الزراعية والريفية، ودور المشروعات القومية في بناء مجتمعات إنتاجية جديدة، إلى جانب جهود مؤسسة أفرولاند في دعم الشباب وتأهيلهم للمشاركة في مسارات التنمية المستدامة.
وجاءت قوة الحوار من كونه لم يبدأ بالأرقام أو المشروعات، وإنما بدأ من الإنسان والأرض؛ من النشأة في بيئة ريفية والارتباط بالزراعة والإنتاج، وهي الخلفية التي عبّر عنها النائب عادل زيدان بوصفه «فلاح ابن فلاح… من ملح الأرض».
من الأسرة المنتجة إلى المجتمع المستهلك
وتوقف الحوار أمام أحد أهم التحولات التي شهدها الريف المصري خلال العقود الماضية؛ إذ كانت الأسرة الريفية في السابق وحدة إنتاج حقيقية، تزرع الأرض، وتربي الحيوانات والطيور، وتصنع جزءًا من غذائها واحتياجاتها، وتبيع الفائض من إنتاجها.
ومع مرور الوقت، تراجع جانب من هذا النموذج، وتحولت قطاعات من المجتمع تدريجيًا من الإنتاج إلى الاستهلاك والاعتماد بصورة أكبر على شراء الاحتياجات الجاهزة.
الرسائل الرئيسية للحوار
مواجهة الغلاء لا تكون فقط بالبحث عن أسعار أقل، وإنما بزيادة الإنتاج وعودة الأسرة والمجتمع إلى المشاركة في صناعة احتياجاتهما وخلق قيمة اقتصادية حقيقية.
فالزراعة والإنتاج الحيواني والتصنيع الغذائي والمشروعات الصغيرة ليست فقط أنشطة اقتصادية، وإنما أدوات يمكن أن تساهم في توفير فرص العمل وزيادة المعروض وتحسين دخول الأسر ودعم الاقتصاد.
«العودة إلى الريف»… ولكن إلى ريف المستقبل
وأكد النائب عادل زيدان أن الدعوة إلى «العودة إلى الريف» لا تعني بأي حال العودة إلى الأساليب القديمة أو الانعزال عن التطور العمراني والتكنولوجي.
بل المقصود هو بناء ريف مصري حديث يستفيد من التكنولوجيا والإدارة الحديثة، ويربط بين: الزراعة والصناعة والعمران والخدمات وفرص العمل والتكنولوجيا.
فالريف الحديث، وفق هذه الرؤية، ليس مجرد أرض زراعية، وإنما مجتمع متكامل يعيش فيه الإنسان ويعمل وينتج ويحصل على الخدمات، وتتحول فيه الزراعة من نشاط تقليدي إلى جزء من منظومة اقتصادية متكاملة.
من إدارة الأعمال إلى استصلاح الأراضي وصناعة القيمة
وتناول الحوار كذلك الخلفية المهنية للنائب عادل زيدان، بداية من دراسته بكلية التجارة وتخصصه في إدارة الأعمال، ثم انتقاله إلى مجال استصلاح الأراضي والإنتاج الزراعي والحيواني. وأبرز اللقاء مفهومًا مهمًا في تجربته، وهو «صناعة القيمة».
فإدارة الأعمال في القطاع الزراعي لا تتوقف عند امتلاك الأرض أو زراعة محصول وبيعه في صورته الأولية، وإنما تمتد إلى سلسلة متكاملة تشمل: الإنتاج والتصنيع والتجفيف أو التعبئة والتسويق والتوزيع والتصدير.
وكل مرحلة من هذه المراحل يمكن أن تضيف قيمة جديدة إلى المنتج، وتخلق فرص عمل، وترفع العائد الاقتصادي من وحدة الأرض ومن المحصول نفسه.
ومن هنا يصبح السؤال ليس فقط: ماذا نزرع؟ وإنما أيضًا: كيف نحول ما نزرعه إلى منتج أعلى قيمة وأكثر قدرة على المنافسة؟
تجربة «تنمية الريف المصري الجديد»
وتطرق اللقاء إلى تجربة «تنمية الريف المصري الجديد» باعتبارها واحدة من التجارب المهمة المرتبطة بالتوسع الزراعي واستصلاح الأراضي وبناء مجتمعات جديدة خارج الوادي والدلتا.
كما تناول الحوار عددًا من المشروعات القومية الكبرى، من بينها مشروع المليون ونصف المليون فدان، ومشروع مستقبل مصر، ومشروع الدلتا الجديدة، إلى جانب خطط التوسع الزراعي والعمراني في الظهير الصحراوي.
وأكد زيدان أن أهمية هذه المشروعات لا تقتصر على إضافة مساحات جديدة إلى الرقعة الزراعية، وإنما تمتد إلى إمكانية خلق مجتمعات تنموية متكاملة تجمع بين السكن والعمل والإنتاج والخدمات.
فالهدف الأوسع ليس فقط استصلاح الأرض، وإنما تعمير المكان وبناء الإنسان وخلق اقتصاد محلي قادر على الاستمرار.
أفرولاند… من إدارة الأرض إلى بناء منظومة للتنمية
وعرض الحوار جانبًا من تجربة أفرولاند في العمل بعدد من المناطق، ورؤيتها القائمة على الانتقال من مجرد التعامل مع الأرض باعتبارها أصلًا جامدًا إلى التعامل معها باعتبارها جزءًا من منظومة للإدارة والتشغيل والإنتاج وصناعة القيمة.
وتقوم هذه الرؤية على الربط بين الأصل الزراعي والإدارة والتشغيل والتصنيع والتسويق، بما يساعد على تحويل الموارد المتاحة إلى مشروعات منتجة وقابلة للنمو.
كما تناول الحوار نماذج عملية مرتبطة بالتصنيع الزراعي، ومن بينها تجفيف الطماطم وتعبئة الرمان، باعتبارها أمثلة توضح كيف يمكن الانتقال بالمحصول من مجرد منتج زراعي خام إلى منتج ذي قيمة اقتصادية وتسويقية أكبر.
وقد ساعدت التعبيرات القريبة من الجمهور التي استخدمها زيدان، مثل «الذهب الأحمر» و*«مجنونة يا قوطة»*، في تبسيط العلاقة بين الزراعة والسوق والأسعار والتصنيع، وتحويل مفاهيم اقتصادية قد تبدو معقدة إلى رسائل سهلة الوصول إلى المواطن.
«جيل زد»… الشباب شريك في التنمية
واحتلت مبادرة «جيل زد» جانبًا رئيسيًا من اللقاء، باعتبارها أحد المسارات التي تعمل من خلالها مؤسسة أفرولاند للتنمية المستدامة على تدريب وتأهيل الشباب والخريجين وربطهم بالفرص الجديدة التي تخلقها التنمية الزراعية والعمرانية والإنتاجية.
وتستهدف المبادرة بصورة خاصة شباب وخريجي تخصصات من بينها الزراعة والطب البيطري والحقوق والدبلومات الفنية وغيرها من التخصصات التي يمكن تأهيل أصحابها للمشاركة في إدارة وتشغيل المشروعات والمجتمعات الجديدة.
وتنطلق المبادرة من رؤية مفادها أن التنمية الحقيقية لا تكتمل ببناء الطرق والمدن واستصلاح الأراضي فقط، وإنما تكتمل ببناء الإنسان القادر على إدارة هذه التنمية واستدامتها والاستفادة منها.
ومن هنا يصبح الشباب شريكًا في صناعة التنمية، وليس مجرد باحث عن فرصة عمل داخلها.
رؤية متكاملة: الأرض والإنسان والإنتاج
وكشف تنوع الموضوعات التي تناولها الحوار، من النشأة الريفية، واستصلاح الأراضي، والمشروعات القومية، وصولًا إلى التصنيع الزراعي وتجفيف الطماطم وتعبئة الرمان وتدريب الشباب، عن رؤية متكاملة لمفهوم التنمية.
وهي رؤية يمكن تلخيصها في معادلة واضحة: أرض تُستصلح وإنسان يُؤهل ومشروع يُدار وإنتاج يُصنّع وقيمة تُضاف ومجتمع يُبنى.
فالرسالة الأساسية التي حملها الحوار هي أن مستقبل الريف المصري لا ينبغي أن يقوم على المفاضلة بين الريف والمدينة، أو الزراعة والعمران، أو الإنتاج والتكنولوجيا؛ وإنما على دمج هذه العناصر جميعًا في نموذج حديث للتنمية.
من الاستهلاك إلى الإنتاج
وفي جوهر اللقاء، برزت رسالة رئيسية تتجاوز حدود القطاع الزراعي:-
1- علينا أن نعيد ثقافة الإنتاج إلى المجتمع المصري.
2- أن تنتج الأسرة، وينتج الشاب، وتنتج القرية، وتنتج الأرض، وأن تتحول المشروعات القومية إلى بيئات حقيقية للعمل والاستثمار والإنتاج وصناعة القيمة.
فالعودة إلى الريف ليست عودة إلى الماضي…إنها عودة إلى قيمة العمل والإنتاج، ولكن بأدوات المستقبل.
مؤسسة أفرولاند للتنمية المستدامة
وتؤكد مؤسسة أفرولاند للتنمية المستدامة من خلال هذه الرؤية استمرارها في دعم المبادرات التي تربط بين تنمية الأرض وبناء الإنسان وتمكين الشباب والإنتاج وريادة الأعمال وصناعة القيمة، إيمانًا بأن التنمية المستدامة تبدأ من الإنسان، وتستثمر في الأرض، وتتحول بالإدارة والعمل إلى قيمة اقتصادية واجتماعية ممتدة.
«من الاستهلاك إلى الإنتاج… ومن تنمية الأوطان إلى بناء الإنسان.»