دار الإفتاء تناقش مهارات التعامل ومراحل صناعة الفتوى في دورة للماليزيين
نظمت دار الإفتاء المصرية محاضرتين ضمن دورة "منهجية الفتوى المعاصرة" لمجموعة من الدارسين الماليزيين، بحضور الدكتور مختار محسن أمين الفتوى بالدار، والدكتور محمد وسام عضو الهيئة الاستشارية لمفتي الجمهورية، وذلك في ضوء توجيهات الدكتور نظير محمد عياد مفتي الجمهورية ورئيس الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم.
وأوضح الدكتور مختار محسن أن الإفتاء هو بيان الأحكام الشرعية وتطبيقها على واقعة من غير إلزام، مبيناً الفرق بين الإفتاء والقضاء، وكذلك الفارق بين الحكم الفقهي والفتوى، مستشهداً بمسائل الطلاق لبيان أن الحكم الفقهي في صورته المجردة يختلف عن تنزيله على واقعة معينة بعد الوقوف على تفاصيلها وملابساتها.
وأكد محسن أنه ليس كل فقيه مفتياً، وأن امتلاك المعرفة الفقهية لا يمثل وحده التأهيل الكافي للتصدر للإفتاء، مشيراً إلى أن تأهيل المفتي يمر بثلاثة مسارات متكاملة هي التعليم من خلال التحصيل العلمي والتلقي عن العلماء، والتدريب لاكتساب المهارات العملية، والتربية التي تعنى ببناء الجانب القيمي والأخلاقي للمفتي.
وأشار إلى أن الفتاوى تتنوع باعتبار نطاق المستفتين إلى فتاوى الأفراد وفتاوى المجتمعات وفتاوى الأمة، وأن عملية الإفتاء تقوم على أربعة أركان أساسية مترابطة هي التصوير، والتكييف، والحكم، والتنزيل، موضحاً أن التصوير يعني التحقق من حقيقة الواقعة، بينما يتمثل التكييف في تحديد الوصف الفقهي المناسب، ويأتي الحكم للوصول إلى الحكم الشرعي، ثم التنزيل بتطبيق الحكم على الواقعة.
وشدد على أن التعامل مع المستفتي جزء أصيل من العملية الإفتائية، وأن المفتي مطالب بفهم الواقعة والمستفتي معاً، مستشهداً بقول الإمام السيوطي "المفتي كالطبيب"، مبيناً أن وجه الشبه بينهما يظهر في ضرورة التشخيص الدقيق للحالة، وحفظ خصوصية صاحبها، وعدم التعجل في إصدار الحكم.
من جانبه أكد الدكتور محمد وسام أن منهجية صناعة الفتوى في دار الإفتاء المصرية تقوم على الجمع بين فهم النص الشرعي وفهم الواقع، مشيراً إلى أن الدراسة الفقهية وحدها لا تكفي للتأهل للإفتاء، إذ يحتاج المفتي إلى القدرة على فهم الواقع ومعرفة أحوال الناس ومستجدات عصرهم.
واستعرض وسام مراحل صناعة الفتوى المترابطة، والتي تبدأ بمرحلة التصوير والوقوف على حقيقة الواقعة، مستشهداً بفتوى الشيخ بخيت المطيعي في حكم التصوير الفوتوغرافي، مبيناً أن معرفة حقيقة الفعل وطبيعته تعد أساساً في تحديد الحكم المناسب، مؤكداً أن تغيير الأسماء لا يغير الحقائق، وضرب لذلك مثال الخمر التي لا يتغير حكم تحريمها بمجرد تغيير تسميتها إلى "مشروبات روحية".
ثم تأتي مرحلة التكييف الفقهي لتحديد الوصف الفقهي للواقعة، ثم مرحلة الحكم للوصول إلى الحكم الشرعي المناسب، موضحاً أن تنزيل الحكم على الواقع قد يقتضي تغير الوسائل والإجراءات بحسب الزمان والمكان مع بقاء المقصد الشرعي، مستشهداً بمسألة اللقطة حيث يثبت أصل وجوب تعريف صاحبها، بينما تختلف وسائل التعريف باختلاف الظروف.
وخلصت المحاضرتان إلى أن الإفتاء عملية علمية ومهارية وتربوية متكاملة، وأن الوصول إلى الفتوى المنضبطة لا يتحقق بمجرد تحصيل الفقه، وإنما يتطلب التأهيل العلمي والتدريب العملي والتربية على القيم والآداب، والجمع بين التأصيل الشرعي وفهم الواقع، ومراعاة مقاصد الشريعة، بما يعزز قدرة الفتوى على معالجة القضايا المعاصرة بصورة منضبطة.

