من هلتر إلى ترامب.. كيف يتفاوض الأعداء سرا خلف الكواليس؟
لطالما بدت الحروب والصراعات المسلحة وكأنها لا تترك مجالا سوى للمواجهة، لكن خلف أصوات القصف وبيانات التهديد، كانت قنوات أخرى تعمل بعيدا عن الأضواء، بحثا عن مخرج سياسي أو صفقة تبادل أو حتى مجرد جس نبض الخصم.
فعندما كانت فرنسا تتعقب قادة الجماعات المسلحة في دول الساحل وتشن عمليات عسكرية ضدهم، كانت في الوقت ذاته تحاول معرفة مواقفهم ومطالبهم عبر وسطاء يتحركون في المناطق التي يصعب على الدبلوماسيين الوصول إليها، ومن بينهم السياسي الموريتاني المصطفى ولد الإمام الشافعي، الذي امتلك علاقات واسعة مع زعماء قبليين وشخصيات نافذة في المنطقة.
هذه الازدواجية ليست استثناء في عالم السياسة، فبمجرد اشتعال الجبهات، يبدأ الطرفان غالبا في اختبار مدى استعداد كل منهما للتفاوض، وما يمكن أن يطلبه، وما الثمن الذي قد يقبله للوصول إلى تسوية.
وعلى المستوى العلني، يحرص المسؤولون على التأكيد أن التفاوض مع الخصم غير وارد، خصوصا عندما يكون الطرف الآخر مصنفا عدوا أو جماعة مسلحة. فإظهار الاستعداد للحوار قد يفسر داخليا على أنه تراجع أو ضعف.
لكن القنوات السرية توفر مخرجا لهذا الحرج، إذ تسمح للأطراف بالتواصل عبر وسيط أو شخصية غير رسمية، من دون التزام علني، كما تمنحها فرصة اختبار المواقف وإمكانات التسوية، مع إمكانية إنكار اللقاءات إذا فشلت أو تسربت تفاصيلها.

الساحل.. الحرب في الواجهة والتفاوض خلفها
بين عامي 2008 و2013، كانت دول غربية تنفذ عمليات عسكرية وضربات جوية ضد قادة جماعات مسلحة في منطقة الساحل، بالتزامن مع محاولات للتواصل معهم عبر وسطاء، خصوصا في ملفات الرهائن والقضايا الأمنية.
وكان ولد الإمام الشافعي من أبرز الشخصيات التي تحركت في هذه المساحات المعقدة، مستفيدا من معرفته بالمنطقة وعلاقاته مع الطوارق وشيوخ القبائل وشخصيات سياسية وأمنية.
فالدول لا تحتاج دائما إلى مفاوض رسمي يحمل تفويضا معلنا، ففي بعض الحالات يكون الوسيط غير الرسمي أكثر فاعلية، لأنه يستطيع الدخول إلى مناطق مغلقة أمام الدبلوماسيين، والجلوس مع شخصيات لا يمكن للحكومات الاعتراف بالتواصل معها علنا.

من «الشيطان الأكبر» إلى الاتفاق النووي
وتقدم العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران نموذجا بارزا لدور القنوات السرية في فتح أبواب كانت تبدو مغلقة، خلال عهد الرئيس الأمريكي باراك أوباما، لعبت سلطنة عمان دورا محوريا في ترتيب اتصالات سرية بين واشنطن وطهران، في وقت كانت فيه العاصمتان تتبادلان الاتهامات والتهديدات، وتبدو فيه إمكانية الحوار المباشر شديدة الصعوبة.
هذه الاتصالات السرية مهدت الطريق لمفاوضات علنية لاحقا، انتهت إلى الاتفاق النووي الذي وقعته إيران والقوى الكبرى في عام 2015.
ومع انتقال المفاوضات إلى جنيف، لم يعد وزير الخارجية الإيراني آنذاك محمد جواد ظريف ونظيره الأمريكي جون كيري مضطرين إلى الاختباء خلف قنوات الوساطة نفسها، بل ظهرا وهما يتحدثان ويتجولان معا.
ودافع ظريف عن إحدى جولاته مع كيري، قائلا إن الحديث الجاد بين الدبلوماسيين أمر طبيعي، وإن ضيق المكان وازدحام الصحفيين جعلا المشي في الشارع وسيلة عملية لمواصلة النقاش.

طالبان وواشنطن.. السرية شرط أولي
لم تكن أفغانستان بعيدة عن هذه القاعدة، فالمفاوضات الأمريكية مع حركة طالبان، التي انتهت إلى اتفاق الدوحة في 29 فبراير 2020، سبقتها اتصالات استكشافية سرية هدفها معرفة ما يمكن أن يقدمه كل طرف للآخر.
وفي عام 2011، نقلت صحيفة «ديلي تلجراف» البريطانية عن دبلوماسيين غربيين أن محادثات سرية استكشافية بين واشنطن وطالبان انهارت بعد تسريب تفاصيلها إلى وسائل الإعلام.
وكانت السرية، بحسب ما نقلته الصحيفة آنذاك، شرطا أساسيا للقاءات عقدت في ألمانيا وقطر، قبل أن يؤدي تسريب هوية أحد مفاوضي طالبان وتفاصيل المحادثات إلى إجهاض المسار.
وتكشف هذه الواقعة أحد أخطر عناصر القنوات الخلفية: نجاحها يعتمد في كثير من الأحيان على قدرتها على البقاء خارج المجال الإعلامي والسياسي حتى تنضج التفاهمات.
سويسرا.. بلد اللقاءات الحساسة
وعلى مدى عقود، كانت سويسرا إحدى أبرز الوجهات للقاء الخصوم في ملفات شديدة الحساسية، ومنذ قطع العلاقات الأمريكية الإيرانية بعد الثورة الإيرانية، اضطلعت برن بدور قناة التواصل الرسمية بين واشنطن وطهران، كما استضافت اتصالات ولقاءات سرية مرتبطة بملفات أمنية وإنسانية وتبادلات للأسرى.
كما ارتبط اسم سويسرا بجهود وساطة في نزاعات أخرى، مستفيدة من سياسة الحياد التي جعلتها مكانا مناسبا لاجتماع أطراف لا تستطيع أو لا تريد اللقاء على أرض تابعة لأحد الخصوم.
وتشترك سويسرا مع قطر وسلطنة عمان في امتلاك خبرة طويلة في هذا النوع من الدبلوماسية، حيث يمكن إجراء الاتصالات بعيدا عن الضغوط الإعلامية والسياسية المباشرة.

باكستان.. رسالة واشنطن إلى بكين
وقبل ذلك بسنوات، استخدمت الولايات المتحدة قناة غير مباشرة لفتح الطريق أمام التقارب مع الصين، ففي مطلع سبعينيات القرن الماضي، كانت واشنطن تبحث عن وسيلة سرية للتواصل مع بكين، في ظل الخصومة العميقة بين البلدين، والرغبة الأمريكية في إعادة ترتيب موازين القوى الدولية في مواجهة الاتحاد السوفياتي.
وبحسب وثائق أرشيف الأمن القومي الأمريكي، اضطلعت باكستان بدور مهم في نقل الرسائل، إلى جانب رومانيا وشخصية تدعى جان سانتيني، كانت لها صلات بالسفارة الصينية في باريس.
وفي النهاية، أسهمت الاتصالات السرية في تمهيد الطريق لزيارة الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون إلى الصين عام 1972، وهي خطوة شكلت تحولا كبيرا في العلاقات الدولية خلال الحرب الباردة.
عندما يصبح الوسيط شخصا لا دولة
ولا يشترط أن تكون القناة السرية دولة، ففي ثمانينيات القرن الماضي، نجح رجل الدين البريطاني تيري وايت في التفاوض على إطلاق رهائن غربيين في إيران وليبيا.
وكانت تجربته مع العقيد الليبي الراحل معمر القذافي عام 1983 واحدة من المحطات التي عززت سمعته كوسيط قادر على التعامل مع حكومات وأطراف لا تستطيع الحكومات الغربية التواصل معها بصورة مباشرة.
لكن تجربته التالية في لبنان انتهت بصورة مأساوية، بعدما توجه للتفاوض بشأن رهائن غربيين، قبل أن يُحتجز هو نفسه ويقضي 1763 يوما في الأسر، وفقا لسيرته المنشورة عبر موقع كلية ترينيتي هول في جامعة كامبريدج.
وتوضح هذه التجربة أن العمل عبر القنوات الخلفية لا يخلو من المخاطر، خصوصا عندما يتحرك الوسيط بين أطراف مسلحة لا تخضع بالضرورة للقواعد الدبلوماسية التقليدية.

أزمة الصواريخ الكوبية.. 13 يوما على حافة الحرب النووية
ومن أشهر أمثلة الدبلوماسية السرية أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962، حين وقف العالم لمدة 13 يوما أمام احتمال اندلاع مواجهة نووية بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي.
اكتشفت واشنطن أن موسكو نشرت سرا صواريخ باليستية ورؤوسا نووية في كوبا، على مسافة قريبة من السواحل الأمريكية، الأمر الذي دفع الولايات المتحدة إلى فرض حصار بحري على الجزيرة والاستعداد لاحتمال اندلاع مواجهة عسكرية.
لكن خلف التصعيد العلني، كانت هناك قناة غير رسمية لنقل الرسائل بين الطرفين.
وكان الصحفي الأمريكي جون سكالي، مراسل شبكة «إيه بي سي»، أحد أطراف هذه القناة، بعدما نقل رسائل بين واشنطن وألكسندر فومين، وهو موظف في السفارة السوفياتية تبين لاحقا أنه ضابط استخبارات في جهاز «كي جي بي» واسمه الحقيقي ألكسندر فكليسوف.
وفي 26 أكتوبر 1962، نقل فومين إلى سكالي إشارات بشأن استعداد موسكو للتوصل إلى تسوية تتضمن إزالة الصواريخ من كوبا مقابل تعهدات أمريكية.
وبالتوازي، جرت اتصالات سرية أخرى عبر قنوات مختلفة، كان من بينها التواصل بين المدعي العام الأمريكي روبرت كينيدي والسفير السوفياتي أناتولي دوبرينين.
وانتهت الأزمة بتفاهم أزال الصواريخ السوفياتية من كوبا، مقابل ترتيبات أمريكية، من بينها سحب صواريخ «جوبيتر» من تركيا في وقت لاحق.
وبعد الأزمة، أنشأت واشنطن وموسكو ما عرف باسم «الهاتف الأحمر»، لتوفير قناة اتصال مباشرة بين قيادتي البلدين وتقليل خطر سوء التقدير في أوقات الأزمات.
كما وقعت الدولتان عام 1963 معاهدة الحظر الجزئي للتجارب النووية، في خطوة عكست حجم التحول الذي أحدثته أزمة كادت تدفع القوتين النوويتين إلى مواجهة مفتوحة.

فيتنام.. الطبيب الذي حمل الرسالة
وأحيانا تبدأ القناة السرية بعيدا تماما عن الدبلوماسية الرسمية، ففي عام 1967، كان هنري كيسنجر لا يزال أستاذا للعلوم السياسية في جامعة هارفارد، عندما شارك في مؤتمر «باغواش» للعلماء الدوليين في بولندا.
وخلال المؤتمر، طلب كيسنجر من الطبيب وعالم الأحياء الفرنسي هربرت ماركوفيتش إيصال رسالة إلى القيادة الفيتنامية الشمالية.
كان ماركوفيتش يزور فيتنام ضمن بعثات ذات طابع إنساني، الأمر الذي وفر له إمكانية الوصول إلى هانوي من دون أن يبدو مبعوثا رسميا للحكومة الأمريكية.
وفي يوليو 1967 وصل إلى هانوي، وبدأ اتصالات هدفت إلى اختبار إمكانية فتح مسار للتفاوض بين واشنطن وحكومة فيتنام الشمالية.
وفي الأول من أغسطس من العام نفسه، أبلغ كيسنجر الرئيس الأمريكي ليندون جونسون في مذكرة بفتح قناة اتصال جديدة مع النظام الفيتنامي الشمالي، وهي القناة التي عرفت لاحقا باسم «عملية بنسلفانيا».
وتشير الوثائق الأمريكية إلى أن ماركوفيتش وصديقه الفرنسي ريمون أوبراك، الذي كان يعمل لدى منظمة الأغذية والزراعة، تمكنا من لقاء الزعيم الفيتنامي هو تشي منه ونقل رسائل أمريكية.
ولم تنته الحرب آنذاك، لكن هذه الاتصالات أصبحت جزءا من المسار الذي قاد لاحقا إلى مفاوضات باريس، وصولا إلى اتفاقيات السلام التي وقعت في يناير 1973.

امرأة في قلب الاتصالات بين هتلر وبريطانيا
حتى أوروبا في ثلاثينيات القرن الماضي عرفت نموذجا مختلفا من القنوات الخلفية، فقد ارتبط اسم الأرستقراطية النمساوية ستيفاني جوليان فون هوهنلوهي بعلاقات واسعة داخل الأوساط السياسية والاجتماعية الأوروبية، وقيل إنها أدت دور قناة اتصال غير رسمية بين دوائر مرتبطة بالزعيم النازي أدولف هتلر وشخصيات بريطانية نافذة.
وتشير وثائق أفرجت عنها الاستخبارات البريطانية «إم آي 5» إلى استخدام ستيفاني كقناة اتصال خلفية وغير رسمية بين دوائر في برلين وأوساط سياسية واجتماعية في بريطانيا خلال ثلاثينيات القرن الماضي.
وبفضل شبكة علاقاتها ومكانتها الاجتماعية، تمكنت من نقل رسائل ومواقف بين شخصيات من الجانبين، في وقت كانت فيه أوروبا تتجه نحو مواجهة كبرى.
لكن الدور الذي لعبته ظل مثيرا للجدل، إذ أحاطت بها اتهامات وشكوك بشأن علاقاتها بأجهزة استخبارات مختلفة، كما بالغت بعض الروايات اللاحقة في تقدير نفوذها المباشر على هتلر.
ولم تكن ستيفاني وحدها؛ فقد ارتبطت أسماء نساء من النخب الأوروبية خلال الحرب العالمية الثانية بمحاولات نقل رسائل أو فتح قنوات غير رسمية بين أطراف متنازعة، ومن بينهن البولندية كريستينا سكاربيك وشخصيات أخرى من الأوساط الأرستقراطية الأوروبية.
القنوات الخلفية.. دبلوماسية بلا كاميرات
وتكشف هذه الوقائع، الممتدة من أزمات الحرب الباردة إلى النزاعات الحديثة في الشرق الأوسط وأفريقيا، أن الدبلوماسية لا تسير دائما عبر السفارات ووزارات الخارجية، ففي لحظات الأزمات الكبرى، قد يكون التواصل غير الرسمي أكثر فاعلية من البيانات العلنية، لأنه يمنح الأطراف مساحة لاختبار المواقف من دون تقديم تنازلات مسبقة أو تحمل كلفة سياسية أمام الجمهور.
وقد تبدأ القناة السرية برسالة عبر صحفي، أو وسيط قبلي، أو مسؤول في دولة ثالثة، أو رجل دين، أو أكاديمي، ثم تتحول تدريجيا إلى اتصالات أكثر انتظاما، قبل أن تنتقل في بعض الحالات إلى طاولة مفاوضات رسمية.
لكن نجاح هذه القنوات يظل مرتبطا بالسرية والثقة والقدرة على نقل الرسائل بدقة، فضلا عن استعداد الأطراف للاعتراف في مرحلة ما بأن الحوار قد يكون أقل كلفة من استمرار الحرب، ولهذا لم تختف القنوات الخلفية رغم تطور وسائل الاتصال وازدياد الرقابة الإعلامية، بل ربما أصبحت أكثر أهمية في بعض الصراعات.
وفي أحدث مثال على ذلك، قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الاثنين، إن لديه قناة تواصل خلفية مع مسؤولين في الحرس الثوري الإيراني، كما تحدث عن علاقات خاصة مع حركة حماس.
وبغض النظر عن مآلات هذه الاتصالات، فإن الفكرة نفسها تعيد إلى الواجهة قاعدة قديمة في إدارة الأزمات: قد يتبادل الخصوم التهديدات أمام الكاميرات، بينما يبحث وسطاء ومبعوثون خلف الأبواب المغلقة عن مخرج لا يستطيع السياسيون الاعتراف علنا بأنهم يبحثون عنه.



