من «قراطيس الطعمية» إلى النيابة العامة.. كيف تطورت أزمة خطوط المحمول؟
تحولت أزمة الخطوط المحمولة المسجلة بأسماء مواطنين دون علمهم من واقعة فردية إلى قضية أثارت مخاوف واسعة بشأن حماية البيانات الشخصية وآليات تسجيل شرائح المحمول، بعدما كشف عدد من المواطنين عن ظهور خطوط لا يعرفونها عبر خدمة «أرقامي».
جاء ذلك بالتزامن مع تحركات برلمانية ومطالبات بالتحقيق وتشديد إجراءات التسجيل، وصولًا إلى إعلان الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات إحالة شركات المحمول الأربع إلى النيابة العامة، فيما زاد تداول فيديو لمواطن قال إنه عثر على صور بطاقات شخصية ضمن أوراق تُستخدم في صناعة «قراطيس الطعمية» من التساؤلات حول مصير بيانات المواطنين وكيفية تداولها خارج الجهات التي تحتفظ بها.
البداية من قضية الطالب عمرو عمارة
بدأت الأزمة بقضية الطالب عمرو عمارة، البالغ من العمر 19 عامًا، والذي صدر بحقه حكم غيابي بالسجن المشدد لمدة 25 عامًا على خلفية قضية مخدرات، وفق ما ورد في الوقائع المتداولة، بعدما ارتبطت القضية بشريحة هاتف يقول إنه لا يعلم بوجودها.
وأثارت الواقعة حالة من القلق بين المواطنين، ودَفعت أعدادًا منهم إلى التوجه إلى فروع شركات الاتصالات المختلفة في أنحاء الجمهورية، للاستعلام والتحقق من وجود خطوط هاتف محمول مسجلة بأسمائهم دون علمهم، خشية ارتباط تلك الخطوط بأي وقائع أو مخالفات قانونية.
«أرقامي» تكشف خطوطًا لا يعرفها أصحابها
ولجأ العديد من المواطنين إلى خدمة «أرقامي» عبر تطبيق «My NTRA» التابع للجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، بهدف معرفة أرقام المحمول المسجلة باستخدام بياناتهم، قبل أن يفاجأ بعضهم بوجود خطوط لا يعرفونها ولم يسبق لهم حيازتها.
وأدى انتشار هذه الوقائع إلى تصاعد التساؤلات بشأن آليات تسجيل خطوط المحمول، ومدى فاعلية إجراءات التحقق من هوية العملاء، وكيفية التعامل مع أي خط يظهر مسجلًا باسم مواطن رغم عدم تعاقده عليه.
مواجهة أزمة الخطوط المجهولة
ودفعت التطورات عددًا من أعضاء مجلسي النواب والشيوخ إلى التحرك، من خلال طلبات إحاطة ومطالبات بفحص آليات تسجيل الخطوط والتحقق من شكاوى المواطنين.
وانتقدت النائبة الدكتورة إيرين سعيد، عضو مجلس النواب، أداء الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، معتبرة أن «الانفصال عن الواقع أصبح سمة للكثيرين داخل الحكومة»، في ظل استمرار شكاوى المواطنين ووسائل الإعلام بشأن وجود خطوط هاتف محمول مسجلة بأسمائهم دون علمهم.
وطالبت سعيد الجهاز بتقديم توضيح رسمي بشأن الشكاوى، مشيرة إلى أنها سبق أن ناقشت القضية من خلال طلب إحاطة داخل البرلمان.
إيرين سعيد تنتقد تعطل «My NTRA»
وتطرقت النائبة إلى تجربتها مع تطبيق «My NTRA»، موضحة أنها حاولت استخدامه من أكثر من هاتف محمول وعلى شبكات اتصالات مختلفة، لكنها لم تتمكن من تسجيل الدخول بسبب عدم وصول رمز التحقق «OTP».
وأشارت إلى أن التطبيق يتيح عددًا من الخدمات، بينها الاستعلام عن خطوط المحمول المسجلة بالرقم القومي، وتقديم ومتابعة الشكاوى، والاستعلام عن نقل الرقم بين الشركات، وقياس سرعة الإنترنت، والاطلاع على خرائط التغطية، وإلغاء بعض خدمات المحتوى والترفيه.
وأضافت أن محاولاتها التواصل مع الجهاز عبر الخط الساخن 155 لم تنجح، متسائلة: «كيف يؤدي جهاز تنظيم الاتصالات دوره وهو منفصل عن المواطنين، ولا توجد وسيلة تواصل واحدة تعمل؟».
تشديد إجراءات تسجيل الخطوط
وطالب النائب أحمد الحمامصي، عضو مجلس الشيوخ، وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات بسرعة توجيه شركات الاتصالات لبحث مشكلة وجود خطوط محمول مسجلة بأسماء مواطنين دون علمهم أو موافقتهم.
وأكد أن الظاهرة تمثل تهديدًا لحقوق المواطنين، وقد تعرض أصحاب الأسماء المسجلة على تلك الخطوط لمشكلات قانونية وأمنية إذا استخدمت الأرقام في مخالفات.
ودعا إلى اتخاذ إجراءات عاجلة للتحقق من هوية مالكي الخطوط وتشديد آليات المراجعة والتسجيل لمنع تكرار هذه الوقائع.
محمد جامع يطالب بتحقيق موسع
وطالب النائب محمد جامع، عضو مجلس الشيوخ، الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات بفتح تحقيق موسع في الوقائع المتداولة بشأن ظهور خطوط مجهولة عبر تطبيق «أرقامي»، وإعلان نتائج التحقيق.
وأشار إلى أن بعض المواطنين فوجئوا بوجود عدة خطوط مسجلة على أرقامهم القومية، رغم تأكيدهم عدم معرفتهم بها أو التعاقد عليها، مطالبًا بوضع آلية محددة وسريعة لتلقي الشكاوى والتعامل معها وإبلاغ أصحابها بنتائج الفحص.
أميرة صابر: «بيانات المواطنين الشخصية مش لعبة»
وانتقدت النائبة أميرة صابر، عضو مجلس الشيوخ، مطالبة المواطنين بالاستعلام بصورة دورية عن الأرقام المسجلة بأسمائهم من خلال تطبيق «My NTRA»، قائلة: «هو المفروض المواطنين يسيبوا اللي وراهم ويقعدوا يستعلموا بصورة دورية عن أرقامهم؟».
وأكدت أن مطالبة المواطنين بالاستعلام الدوري تمثل، بحسب وصفها، «خطأً جوهريًا»، مشددة على أن «بيانات المواطنين الشخصية مش لعبة»، وأن مسؤولية الجهاز هي تنظيم استخدام هذه البيانات وحماية المواطنين.
إعادة إتاحة خدمة الاستعلام
وفي 6 أغسطس 2026، أعلن الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات إعادة إتاحة خدمة الاستعلام بعد تنفيذ حل فني مؤقت، عقب توقفها لفترة لإجراء تحديثات فنية وتنظيمية تستهدف تعزيز الخصوصية وأمن البيانات.
وبموجب الحل المؤقت، تظهر للمستخدم الخطوط المسجلة باسمه مع حجب بعض الأرقام الواقعة في منتصف كل رقم، بالتزامن مع العمل على إتاحة التحقق البيومتري للتأكد من أن الشخص الذي يستعلم هو صاحب بطاقة الرقم القومي نفسه.
الجهاز يوضح موقفه من الخطوط غير المعروفة
وفي 7 أغسطس، أصدر الجهاز توضيحًا بشأن ما أثير إعلاميًا وعلى منصات التواصل الاجتماعي حول وجود خطوط مسجلة بأسماء مواطنين دون علمهم.
وأكد أنه في حال ظهور خط لا يخص المواطن، فمن حقه تقديم شكوى، ليتولى الجهاز فحص الواقعة والتحقق من إجراءات تسجيل الخط ومدى التزام شركة المحمول بالقواعد التنظيمية.
وأوضح الجهاز أن مجرد تسجيل خط باسم شخص لا يعني تلقائيًا تحميله المسؤولية عن أي أفعال تتم باستخدامه، إذا ثبت أن الخط لا يخصه ولم يكن في حيازته أو تحت سيطرته الفعلية، مؤكدًا أن المسؤولية القانونية شخصية وتحددها الوقائع والأدلة والتحقيقات.
من الشكاوى إلى الفحص والتفتيش
ومع تزايد الشكاوى، بدأ الجهاز إجراءات الفحص والتفتيش والتحقق من الوقائع والمستندات المرتبطة بها، ولم يتوقف الأمر عند استقبال بلاغات المواطنين.
وفي 10 أغسطس، أعلن الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات إحالة شركات المحمول الأربع إلى النيابة العامة بشأن الوقائع محل الشكاوى، لاتخاذ شؤونها في التحقيق، بعد استكمال الأدلة والقرائن والمستندات المرتبطة بها.
«قراطيس الطعمية» تفتح ملف تسرب صور البطاقات
وبالتزامن مع أزمة الخطوط، تداولت مواقع التواصل الاجتماعي مقطع فيديو لمواطن يدعى عماد حنفي العباسي، من منطقة المرج، تحدث خلاله عن عثوره على أوراق تحتوي على صور بطاقات شخصية لعدد من المواطنين، قال إنه حصل عليها ضمن أوراق تستخدم في المطاعم لصناعة «قراطيس الطعمية».
وقال العباسي إنه يعمل في مطعم صغير، إلى جانب عمله أحيانًا على سيارة عبر تطبيق «أوبر»، موضحًا أنه اعتاد شراء نوع من الورق يعرف باسم «وش ووش» لاستخدامه في صناعة القراطيس.
وأضاف أنه فوجئ أثناء تجهيز الأوراق بوجود صور بطاقات شخصية بينها، ولاحظ أن التواريخ الموجودة على بعض البطاقات حديثة، مشيرًا إلى تاريخ «10/6/25» ضمن الأوراق التي عثر عليها.
المواطن يتواصل مع خدمة العملاء
وأوضح العباسي أنه تواصل مع خدمة العملاء بعد اكتشاف الأوراق، وأبلغهم بما عثر عليه، مشيرًا إلى أنه تلقى ردًا يطلب منه إحضار الأوراق وتسليمها.
وقال إنه رفض التوجه لتسليمها، موضحًا أنه احتفظ بالأوراق لديه.
«لو الورق بيطلع بعلم الشركة دي مصيبة»
وقال العباسي إنه قرر نشر الواقعة بالتزامن مع أزمة الخطوط المسجلة بأسماء المواطنين، بهدف لفت الانتباه إلى مخاطر تسرب البيانات الشخصية.
وأضاف: «دي لو الورق ده بيطلع بعلم الشركة دي مصيبة، لو بيطلع بدون علم الشركة دي مصيبتين»، متسائلًا عن كيفية خروج أوراق تحتوي على صور بطاقات شخصية من شركة، في ظل وجود كاميرات وإجراءات أمنية ومراجعة ومحاسبة، بحسب ما ذكر.
وتساءل كذلك عن عدد الأوراق الأخرى التي ربما وصلت إلى أشخاص آخرين، قائلًا إن الأوراق التي عثر عليها احتفظ بها، لكنه لا يعرف حجم الأوراق التي ربما خرجت ووصلت إلى آخرين.
تحذيرات من استخدام البيانات في الاحتيال
وخلال الفيديو، تحدث العباسي عن واقعة احتيال قال إنه تعرض لها، موضحًا أن شخصًا اتصل به مدعيًا وجود معاملة تتطلب تنشيط بطاقته، وتمكن من معرفة عدد من بياناته الشخصية.
وقال إن المتصل ذكر اسمه ورقم بطاقته وتاريخ ميلاده ومحل إقامته، قبل أن يطلب منه إملاء رقم البطاقة، مضيفًا أنه تعرض بعد ذلك لمشكلة مالية.
كما ذكر أنه فوجئ بوجود حساب مكرر له على تطبيق «أوبر»، مؤكدًا أن الواقعة ألحقت به، بحسب روايته، أضرارًا تتعلق بعمله وأمواله.
أزمة واحدة.. مسارات متعددة
وبين أزمة الطالب عمرو عمارة، وشكاوى المواطنين من ظهور خطوط لا يعرفونها عبر «أرقامي»، والتحركات البرلمانية، ثم واقعة الأوراق التي تحتوي على صور بطاقات شخصية، اتسع نطاق الجدل حول حماية بيانات المواطنين وآليات تسجيل خطوط المحمول.
ومع إحالة شركات المحمول الأربع إلى النيابة العامة في 10 أغسطس، انتقلت الأزمة إلى مرحلة جديدة، في انتظار ما ستسفر عنه التحقيقات بشأن الوقائع والشكاوى والمستندات التي أعلن الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات استكمال فحصها.