هناك سؤال بسيط يكشف كثيرًا عن الطريقة التي نربي بها أبناءنا: ماذا تريد لابنك أن يكون عندما يكبر؟
غالبًا ستأتي الإجابات النبيلة والمألوفة: أريده ناجحًا، متفوقًا، واثقًا من نفسه، ويحقق أحلامه.
لكن ثمة سؤالًا أكثر إزعاجًا: هل نريده فعلًا أن يكون ناجحًا، أم نريده أن يبدو ناجحًا أمام الآخرين؟
الفارق بين الاثنين أكبر مما نتصور.
فالنجاح الحقيقي قد يكون هادئًا وغير قابل للتصوير؛ كطفل تعلم كيف يتحمل الخسارة، أو يعتذر، أو يبدأ من جديد بعد الفشل. وقد يكون شابًا اختار طريقًا يحبه، حتى لو لم يثر إعجاب الآخرين.
أما النجاح الذي نحب أن نراه ونريه للناس، فله علامات أكثر وضوحًا: درجات مرتفعة، مدرسة مرموقة، شهادات ودورات، مسابقات وميداليات، وصور تقول للآخرين: «انظروا ماذا حقق ابني».
ولا مشكلة في الدرجات والجوائز والطموح. المشكلة تبدأ عندما يتحول مظهر النجاح إلى مقياس لقيمة الطفل نفسه.
في كثير من البيوت، لا يحتاج الطفل إلى فتح هاتفه كي يدخل عالم المقارنة؛ يكفي أن يسمع: «ابن الجيران حصل على مجموع أعلى»، «ابنة عمتك تتحدث الإنجليزية بطلاقة»، «زميلك فاز في المسابقة».
وهكذا يجد نفسه داخل سباق لم يختره.
والأخطر أن المقارنة قد تنتقل من الأداء إلى الهوية. فبدلًا من أن يفهم الطفل: «لم أوفق هذه المرة»، يبدأ في استيعاب رسالة أشد خطورة: «أنا لست جيدًا بما يكفي».
هنا تتحول التربية، من حيث لا نقصد، إلى صناعة للقلق.
نقول لأبنائنا: لا تقارنوا أنفسكم بالآخرين، ثم نقضي سنوات طفولتهم في مقارنتهم بالآخرين. نطلب منهم الثقة بالنفس، ثم نربط قيمتهم بدرجاتهم. ونريدهم مستقلين، بينما نحدد لهم شكل النجاح الذي ينبغي أن يحققوه.
وليس المقصود أن الدرجات غير مهمة؛ فالمعرفة والانضباط والطموح أمور أساسية. لكن المشكلة أن يتحول جزء النجاح إلى كل النجاح.
فالمدرسة تستطيع أن تخبرنا بدرجة الطالب في الرياضيات واللغة والعلوم، لكنها لا تمنحه درجة في تحمل الإحباط، أو الاعتذار، أو التعامل مع الاختلاف، أو اتخاذ قرار حين لا توجد إجابة نموذجية.
وهذه، في الحقيقة، هي اختبارات الحياة الكبرى.
يمكن لطفل أن يحصل على أعلى الدرجات، لكنه لا يحتمل أن يكون شخص آخر أفضل منه. ويمكن أن يدخل أفضل جامعة، لكنه لا يعرف كيف يتعامل مع أول فشل حقيقي في حياته.
وهنا تكمن المفارقة: نحاول أحيانًا أن نحمي أبناءنا من الفشل، فنحرمهم من تعلم أهم مهارات النجاح.
فالطفل الذي يتدخل والداه في كل مشكلة، ويحلّان عنه كل أزمة، ويتفاوضان نيابة عنه، ويمنعانه من تحمل نتائج أخطائه، قد ينجح في المدرسة، لكنه قد يصل إلى الحياة وهو لا يعرف ماذا يفعل عندما لا يأتي أحد لينقذه.
لسنا بحاجة إلى أطفال أقل طموحًا، بل إلى تعريف أوسع للنجاح.
نريد منهم التفوق، نعم، لكن دون أن يكون التفوق مصدر قيمتهم الوحيد. نريدهم أن ينافسوا، لكن مع إدراك أن المنافس ليس عدوًا. وأن يفرحوا بالجائزة، دون أن يروا في غيابها هزيمة شخصية.
وربما نحتاج، بدلًا من أن نسأل أبناءنا كل يوم: «كم حصلت؟»، إلى أسئلة أخرى: ماذا تعلمت؟ فيمَ أخطأت؟ ماذا كنت ستفعل بطريقة مختلفة؟ هل حاولت مرة أخرى؟ وما الشيء الذي فعلته رغم خوفك؟
هذه الأسئلة لا تصنع أطفالًا أقل نجاحًا؛ بل تصنع أشخاصًا أكثر قدرة على صناعة نجاحهم بأنفسهم.
في النهاية، لن نستطيع أن نحمي أبناءنا من الفشل، مهما حاولنا. سيأتي يوم يخسرون فيه، ويُرفضون، ويخطئون، ويجدون شخصًا أفضل منهم.
فلنترك لهم مساحة آمنة ليتذوقوا الفشل وهم معنا، بدل أن يواجهوه للمرة الأولى وحدهم.
فالتربية ليست أن نمنع عن أبنائنا كل ألم، وإنما أن نمنحهم القدرة على النهوض عندما يأتي الألم.
وربما يكون أفضل ما نستطيع أن نعطيه لأبنائنا ليس طريقًا خاليًا من الفشل، بل يقينًا بسيطًا: أن خسارة واحدة لا تعني أنهم خاسرون.