عاجل

أصبح العالم الآن  شاشة واحدة، تتدفق عبرها الثقافات والمعلومات والأنماط السلوكية بلا جواز سفر ولا تأشيرة دخول ،  وفي هذا الفضاء المفتوح، لم تعد الهوية الوطنية حصنا تحيط به الأسوار، بل أصبحت في مواجهة مستمرة مع سيل هائل من المؤثرات العابرة للحدود.

لقد غيّرت المنصات الرقمية طبيعة العلاقة بين الإنسان والعالم؛ فلم يعد الفرد يتلقى وعيه من مؤسسات التنشئة الاجتماعية ( الأسرة والمدرسة والجامعة ووسائل الإعلام الوطنية) فقط، وإنما أصبح هاتفه نافذة مفتوحة على ثقافات وشخصيات وقيم من مختلف أنحاء العالم ،  وقد يمتد تأثير هذه المنصات إلى اللغة والذوق وأنماط التفكير والسلوك، حتى يصبح الغريب من الثقافات الوافدة  مألوفًا، والمألوف غريبا ، فالصورة التي تنتشر لمطربين شبه عراة ، والجمهور الذي يدفع آلاف الجنيهات ليقف على قدميه لمشاهدة هذا المطرب لم تكن صورا مألوفة من قبل ، ولا تعبر عن الهوية الثقافية الراسخة للمجتمع المصري الذي تشكل منظومة القيم الأخلاقية جزءا لا يتجزأ من ثقافته وسلوكه . 

وهذه ليست دعوة إلى الانغلاق أو التقوقع الحضاري ، فالانفتاح الحضاري ليس معناه الانسلاخ عن ثوابت الهوية الوطنية ، والتفاعل مع الآخر لا يعني التخلي عن الذات ،  والهوية القوية لا تخشى الحوار، بل تدخل إليه بثقة، وتأخذ من الآخر ما يثريها دون أن تفقد جذورها ، وترفض مع يخالف أعرافها وقيمها المستقرة . 

إن ما شهدته بعض الحفلات الفنية من مظاهر صادمة في اللباس والحركات والتفاعل الجماهيري يفتح بابًا أوسع للنقاش حول الانفلات الأخلاقي في الفضاء الترفيهي، وحدود الحرية حين تتحول إلى استعراض يتجاوز القيم العامة والذوق المجتمعي ،  فالفن ليس مجرد مساحة للترفيه، حيث تتحول صور المشاهير وسلوكياتهم  بحكم الانتشار الرقمي، إلى رسائل تصل سريعًا إلى ملايين الشباب،  ومن هنا تبدو الحاجة إلى قدر أكبر من المسؤولية في صناعة المحتوى الترفيهي، بحيث لا يصبح البحث عن الإثارة والمشاهدة والمشاهدات مبررًا لتجاوز ما استقر عليه المجتمع من قيم وأعراف ،  فالحرية الحقيقية لا تعني غياب الضوابط، وإنما تعني القدرة على الإبداع مع احترام الإنسان والمجتمع والذوق العام ، كما أن حماية الهوية لا تكون بإغلاق النوافذ أمام العالم، فهذا أمر لم يعد ممكنًا، وإنما ببناء المناعة الفكرية والإعلامية لدى الأجيال الجديدة؛ بحيث يمتلك الشباب القدرة على تحليل ما يشاهدون، والتمييز بين المعرفة والتضليل، وبين الانفتاح والتقليد، وبين الاختلاف والذوبان . 

إننا بحاجة إلى وعي يميز بين الاستفادة الواعية من الاحتكاك الثقافي  والتقليد الأعمى، وبين التطور والانفلات، وبين الحرية والمسؤولية ، فالأمم التي تعرف قيمة هويتها تستطيع أن تنفتح على العالم دون أن تفقد ذاتها، وأن تتفاعل مع الحضارات والثقافات  دون أن تستبدل خصوصيتها، وأن تتقدم إلى المستقبل وهي أكثر اعتزازًا بجذورها وثوابتها ، وللمهاتما غاندي مقولة تلخص العلاقة بين الثقافات : ( يجب أن أفتح نوافذي على ثقافات العالم شريطة أن لا تقتلعني من جذوري ) . 

تم نسخ الرابط