عاجل

​شاهدت لقطات من فيلم شارك فيه النجم المصري خالد النبوي، وجذبتني لقطة محاكمته والتعالي عليه من قبل هيئة المحاكمات لكونه عربي الأصول والجذور.
​كلمات الادعاء الممثلة في وكيل النيابة الذي يحاصر النبوي بأسئلة كلها من نوع: "انت حتى عندنا ومش عاجبك قوانيننا وحياتنا!"، ردود النبوي كانت عاقلة ورزينة، ولكن رد الخصم كان مستفزًا ومثيرًا للخروج عن التعقل والعقل.
​المحاكمة امتدت فترة حاول فيها النبوي أن يعيد ترتيب المشهد برمته، ويوضح أن الأمريكان ليسوا أهل البلد الحقيقيين، وأنهم جاءوا من كل صوب وحدب، ومن جاء إن لم يكن مرغمًا فقد جاء حالمًا بحياة جديدة ووطن جديد يحقق فيه آماله وأحلامه، ويبني فيه عالمه العائلي الجديد الذي ينسيه ماضيه، ويرسخ له حاضره، ويفتح أبواب مستقبل أفضل له ولعائلته.
​ببساطة شدتني هذه المحاكمة إلى ما ذكره لي صديق قديم هاجر منذ أكثر من ربع قرن واستقر في ألمانيا، وعاش فيها سنوات الشباب حتى وصل إلى مرحلة الكبر والشيخوخة. صديقي هذا كان دومًا يحدثني عن الغرب وعمق تفكيرهم واهتمامهم بأنفسهم وحبهم للحياة، وكان دومًا يتحدث عن الإمكانات التي تمنحها الدولة لمواطنيها، وأن حق المواطن في العيش رغدًا هي متطلبات الدولة وأولوياتها. كلما التقيته أو هاتفني يتركز حديثه كله عن نظرة الغرب للمواطن وتعامله الراقي معه حتى إن لم تكن جذوره وطنية خالصة، فهم يرون الإنسان في داخل أي مواطن بغض النظر عن جذوره ولونه ودينه.
​صديقي هذا كان فخورًا بكونه حاصلًا على جنسية هذه الدولة، وبأن جواز سفره بمثابة خط مفتوح لعبور العالم كله، كما أنه يعد مفخرة له ووسيلة داعمة في كافة سفرياته وخروجاته كما كان يحكي ويقول.
​مضت فترة لم نعد نتحدث أو نلتقي، وبعدها لمحت اسمه مشاركًا في فعالية دولية تُقام في بلادنا وهو بالطبع يمثل الدولة التي يحمل جنسيتها وولاءه لها، صديقي وجه لي دعوة للمشاركة أو الحضور إن صح التعبير.
​وفور جلوسي بين المشاركين وبدء الفعالية، وجدت نفسي أعود إلى مشاهدة محاكمة خالد النبوي في فيلم "مواطن وبالإنجليزية Citizen"، وبخاصة محاولة دفاعه عن نفسه وعمن سبقوه من مهاجرين إلى بلاد العم سام، وعن كونهم اندمجوا في الحياة الجديدة واعتبروا أنفسهم جزءًا من هذا الوطن الجديد، وفي المقابل نظرة من يعتبرون أنفسهم هم أصل الوطن وجذوره ويرفضون القادمين المهاجرين من كل مكان وخاصة من القارة السمراء.
​المشاهد توالت وتزاحمت، ولم أنتبه إلا على التصفيق بانتهاء الفعالية، وبصديقي يقترب مني ويسلم ويشكرني على الحضور، وفي أثناء مرافقته إلى خارج القاعة قال لي وبصوت حزين: "أفنيت عمري لأثبت لهم ولائي ولأبرهن لهم انتمائي، ولكن ما زالوا ينظرون إلينا كمهاجرين وليسوا مواطنين أصحاب المكان وأبناء الوطن.."

تم نسخ الرابط