عاجل

ليست قضية الشباب في مصر قضية قطاع اجتماعي يمكن التعامل معه من خلال برامج منفصلة أو مناسبات سنوية، وإنما هي قضية تتصل مباشرة بمستقبل الدولة وقدرتها على النمو والاستقرار والمنافسة .

حين نتحدث عن الشباب فإننا نتحدث عن الجزء الأكثر حيوية من رأس المال البشري المصري، وعن القوة التي ستتولى خلال السنوات المقبلة إدارة مؤسسات الدولة واقتصادها، وقيادة شركاتها ومشروعاتها، وصياغة ثقافتها العامة، وحمل مسؤولية استكمال مسيرة البناء.

ومن هذه الزاوية تكتسب تدوينة السيد الرئيس بمناسبة اليوم العالمي للشباب أهمية تتجاوز حدود التهنئة بالمناسبة ، فقد أكد السيد الرئيس أن شباب مصر هم قوة الوطن وصُنّاع مستقبله، وأن أفكارهم وإبداعاتهم ومشاركاتهم الفاعلة تمثل ركيزة أساسية في مسيرة البناء والتنمية، ووجه بإطلاق منصة وطنية تفاعلية تحت رعايته، بالتنسيق بين الأكاديمية الوطنية للتدريب ووزارة الشباب والرياضة والجهات المعنية، لتكون مساحة مفتوحة أمام الشباب لطرح أفكارهم ومبادراتهم، ودعم مشاركتهم في خدمة المجتمع، وتعزيز العمل التطوعي والانتماء والمسؤولية الوطنية.

واللافت هنا ليس فقط إطلاق منصة جديدة، وإنما الفلسفة التي تقف وراءها:  فالدولة لا تقول للشباب فقط "نحن نعدكم للمستقبل"، وإنما تقول لهم أيضًا: "نريد أن نسمع أفكاركم وأن نمنحها طريقًا إلى الفعل". وهذه نقلة مهمة في مفهوم تمكين الشباب.

أولا : من "رعاية الشباب" إلى "إدارة طاقة الشباب"

ارتبط مفهوم رعاية الشباب لسنوات طويلة بالأنشطة الرياضية والثقافية والاجتماعية، وهي مجالات مهمة ولا غنى عنها، لكنها لا تكفي وحدها للإجابة عن سؤال أكثر تعقيدًا: كيف نحول ملايين الشباب إلى قوة إنتاجية ومعرفية ومجتمعية تضيف إلى الاقتصاد والدولة؟

المطلوب اليوم هو الانتقال من رعاية الشباب إلى إدارة طاقاتهم، ومن النظر إليهم باعتبارهم مستفيدين من السياسات العامة إلى اعتبارهم شركاء في إنتاج هذه السياسات.

وهذا التحول له معنى اقتصادي وسياسي واجتماعي في الوقت نفسه يمكن أن نرصده على النحوالتالي : 

اقتصاديًا، يمثل الشاب المتعلم والماهر والمبتكر قيمة إنتاجية يمكن أن تضيف إلى الناتج وتخلق فرصًا لغيره.

واجتماعيًا، فالشاب الذي يجد مساحة للتعبير والعمل والمشاركة يصبح أكثر ارتباطًا بمجتمعه وأقل عرضة للشعور بالعجز أو التهميش.

وسياسيًا، تتيح المشاركة المنظمة للدولة الاستفادة من المعرفة المتولدة لدى الأجيال الجديدة، وهي معرفة تختلف بطبيعتها عن خبرة الأجيال السابقة، خصوصًا في عالم يتغير بفعل التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي.

ومن هنا فإن منصة وطنية للشباب يمكن أن تكون، إذا أحسن تصميمها وإدارتها، أكثر من مجرد نافذة لاستقبال المقترحات؛ يمكن أن تصبح أداة للإنذار المبكر، ومختبرًا للأفكار، وقاعدة بيانات للطاقات، وجسرًا بين المجتمع والدولة.

ثانيا : التحدي الحقيقي ليس نقص الأفكار.. وإنما تحويلها إلى نتائج

إن مصر ليست فقيرة في الأفكار،  ففي الجامعات ومراكز البحوث والفكر والشركات الناشئة والقرى والمدن، هناك آلاف المبادرات والأفكار التي تظهر كل يوم.

لكن المشكلة غالبًا تبدأ في المرحلة التالية: ماذا يحدث بعد طرح الفكرة؟

هنا تظهر أهمية المنصة التي وجه السيد الرئيس بإطلاقها ، فإذا كانت الفكرة ستنتهي بمجرد تسجيلها، فلن تحقق المنصة غايتها. أما إذا أصبحت هناك آلية واضحة لتقييم الأفكار وتصنيفها وربطها بالجهة الحكومية أو الخاصة المختصة، ثم اختبار المبادرات القابلة للتنفيذ، وتوفير الدعم لها، وقياس نتائجها، فإننا نكون أمام نموذج جديد للمشاركة الوطنية.

وهنا يمكن اقتراح منظومة من خمس مراحل تتمثل في : 

الفكرة، ثم التقييم، ثم التجريب، ثم التوسع، ثم القياس.

أي أن يقدم الشاب فكرته، ثم تخضع لمعايير واضحة لدراسة الجدوى ، ثم يجري تنفيذها على نطاق تجريبي، ثم يتم توسيع المبادرات الناجحة، وأخيرًا قياس أثرها الاقتصادي والاجتماعي.

بهذه الطريقة تصبح مشاركة الشباب جزءًا من دورة صناعة القرار والتنمية، لا مجرد نشاط جانبي.

ثالثا : الشباب والاستقرار.. معادلة اقتصادية قبل أن تكون اجتماعية

كثيرًا ما يجري الحديث عن الشباب والاستقرار من زاوية اجتماعية أو أمنية فقط، لكن المسألة أعمق من ذلك ، فالاستقرار يبدأ من شعور الإنسان بأن لديه مكانًا في المستقبل.

فالشاب الذي يكتسب تعليمًا جيدًا، ثم مهارة يحتاج إليها السوق، ثم يحصل على فرصة عادلة للعمل، ثم يجد مساحة لتطوير نفسه، يكون أكثر قدرة على بناء حياة مستقرة وأكثر استعدادًا للمساهمة في استقرار مجتمعه.

أما إذا اتسعت الفجوة بين التعليم وسوق العمل، وبين طموحات الشباب والفرص المتاحة أمامهم، فإن المشكلة لا تكون اقتصادية فقط؛ بل تتحول تدريجيًا إلى مشكلة اجتماعية ونفسية وثقافية ، ومن هنا فإن الاستثمار في الشباب يجب أن يُفهم باعتباره استثمارًا في الاستقرار الوطني.

إن توفير فرصة عمل منتجة لشاب لا يعني فقط تحسين دخله، وإنما يعني أيضًا تكوين أسرة مستقرة، وزيادة الاستهلاك والإنتاج، وتقليل الاعتماد على الدعم، وتوسيع قاعدة دافعي الضرائب مستقبلًا، وإضافة مواطن جديد إلى دائرة الاقتصاد الرسمي.

وبالتالي فإن كل ما  ينفق على التعليم والتدريب وبناء المهارات ليس بالضرورة تكلفة؛ بل يمكن أن يكون استثمارًا طويل الأجل في رأس المال البشري.

رابعا : التعليم وحده لم يعد كافيًا

إن التحدي الأكبر أمام منظومة الشباب هو أن سوق العمل تغير أسرع كثيرا من أنظمة التعليم ، لم تعد الشهادة وحدها تضمن الوظيفة، ولم يعد صاحب العمل يبحث فقط عن المعرفة النظرية ،  فاقتصاد المستقبل يحتاج إلى مهارات في البرمجة وتحليل البيانات والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني واللغات وإدارة المشروعات والتواصل وحل المشكلات والعمل الجماعي.

وهنا ينبغي أن تصبح العلاقة بين الجامعات وسوق العمل أكثر مؤسسية ، فالشركات يجب أن تكون شريكًا في تحديد المهارات المطلوبة، والجامعات مطالبة بتطوير برامجها وفقًا للتحولات الاقتصادية، ومؤسسات التدريب مطالبة بأن تنتقل من التدريب العام إلى التدريب المرتبط بفرص حقيقية.

كما أن التعليم الفني يجب أن يحتل مكانة أكبر في الرؤية الوطنية للشباب ،  فالدولة الحديثة لا تُبنى فقط بالمهندسين والأطباء والمبرمجين، وإنما تحتاج أيضًا إلى الفني الماهر، والعامل المتخصص، والتقني القادر على تشغيل وصيانة الآلات والمنظومات الحديثة.

خامسا : الذكاء الاصطناعي.. فرصة لا تهديد

يدخل العالم الآن مرحلة جديدة سيكون فيها الذكاء الاصطناعي عاملًا مؤثرًا في شكل الوظائف والإنتاج والتعليم والإدارة ، وهنا يملك الشباب المصري ميزة مهمة: القدرة على التعلم والتكيف السريع مع التكنولوجيا.

لكن الاستفادة من هذه الميزة تتطلب الانتقال من مجرد استخدام التكنولوجيا إلى إنتاج التكنولوجيا.

إذن ينبغي ألأ يكون  الهدف هو أن يصبح الشاب المصري مستخدمًا جيدًا لمنصات الذكاء الاصطناعي العالمية فقط، وإنما أن يمتلك القدرة على تطوير حلول مصرية للمشكلات المصرية: في الزراعة، والنقل، والصحة، والتعليم، وإدارة المياه، والطاقة، والخدمات الحكومية.

وهنا يمكن للمنصة الوطنية المقترحة أن تتحول إلى " مستودع "  للأفكار التكنولوجية، بحيث يجري ربط أصحاب الأفكار بالجامعات والشركات وحاضنات الأعمال والجهات التمويلية.

إن امتلاك مصر لجيل من الشباب القادر على إنتاج المعرفة والتكنولوجيا سيكون أحد أهم عناصر قوتها في العقود المقبلة.

سادسا : العمل التطوعي.. البعد الآخر للاستقرار

من أهم ما ورد في تدوينة السيد الرئيس الإشارة إلى دعم العمل التطوعي وتعزيز ثقافة الانتماء والمسؤولية الوطنية.

وهذه النقطة تستحق قراءة أعمق ، فالمجتمع المستقر ليس المجتمع الذي تقدم فيه الدولة كل شيء للمواطن، وإنما المجتمع الذي يشعر أفراده بأن عليهم مسؤولية تجاه بعضهم البعض.

إن العمل التطوعي يحول الشباب من متلقين للخدمات إلى مساهمين في تقديمها،  وحين يشارك الشاب في مبادرة لمساعدة قرية، أو محو أمية، أو حماية البيئة، أو دعم ذوي الإعاقة، فإنه لا يقدم خدمة للآخرين فقط؛ بل يبني داخله إحساسًا عمليًا بالمواطنة. وهنا يصبح الانتماء فعلًا وليس شعارًا.

إن الوطنية في صورتها الأكثر نضجًا ليست مجرد مشاعر تجاه العلم والنشيد والتاريخ، وإنما هي أيضًا إتقان العمل، والحفاظ على المال العام، واحترام القانون، ومساعدة الآخرين، والقدرة على الاختلاف دون تحويل الخلاف إلى خصومة مع الوطن.

سابعا : الشباب ومواجهة أزمة الوعي :

هناك معركة أخرى لا تقل أهمية عن معركة الاقتصاد، وهي معركة الوعي ، فالشاب المصري يعيش اليوم داخل فضاء معلوماتي مفتوح، يتلقى خلال ساعات ما كان الإنسان يحتاج إلى سنوات لاستيعابه ،  وهذه البيئة تمنحه فرصًا هائلة للتعلم، لكنها في الوقت نفسه تعرضه للأخبار المضللة والاستقطاب والشائعات وخطاب الكراهية.

ومن الخطأ مواجهة هذه الظاهرة بالمنع وحده ، بل الأفضل هو  بناء المناعة المعرفية لدى الشباب ، أي أن نعلمه كيف يسأل: من أين جاءت المعلومة؟ ما مصدرها؟ ما الدليل عليها؟ هل هناك سياق ناقص؟ هل الصورة أو الفيديو حقيقي أم جرى التلاعب به؟

إن الشاب الذي يمتلك هذه الأدوات يصبح جزءًا من حماية المجتمع من التضليل بدل أن يكون هدفًا له.

وهنا يمكن أن تلعب المنصة الوطنية دورًا مهمًا في بناء حوار عقلاني مع الشباب، لا يقوم على "الوعظ / النصح " ، وإنما على المعلومات والشفافية واحترام العقل.

ثامنا : إذن المطلوب: تمكين حقيقي لا رمزي

إن التمكين الحقيقي يمكن قياسه ، فإذا أردنا تقييم نجاح سياسات الشباب، فلا يكفي أن نقول إن آلاف الشباب شاركوا في مؤتمر أو تلقوا دورة تدريبية ، لكن السؤال الأهم: ماذا حدث بعد ذلك؟ كم شابًا حصل على فرصة عمل؟ كم مشروعًا بدأ؟ كم فكرة تحولت إلى منتج؟ كم مبادرة شبابية أصبحت سياسة عامة؟ كم شركة ناشئة استطاعت الاستمرار؟ كم شابًا انتقل من التدريب إلى الإنتاج؟

أعتقد أن هذه هي المؤشرات التي ينبغي أن تحكم المرحلة المقبلة ، والأهم أن تكون هناك شفافية في نتائج المنصة الوطنية؛ بحيث يعرف الشباب عدد الأفكار التي وصلت، وعدد الأفكار التي جرى تقييمها، وعدد المبادرات التي دخلت مرحلة التنفيذ، وما الذي تعثر ولماذا ، فالمشاركة الحقيقية تحتاج إلى الثقة، والثقة تُبنى عندما يعرف المواطن ماذا حدث لصوته ومقترحه.

تاسعا : مصر لا تحتاج إلى شباب ينتظرون المستقبل.. بل إلى شباب يصنعونه

إن الرسالة الأهم التي يمكن استخلاصها من تدوينة السيد الرئيس هي أن مستقبل مصر لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مشروعًا تقوم به الدولة وحدها، ثم ينتظر الشباب نتائجه، وإنما باعتباره مشروعًا وطنيًا مشتركًا ، فالدولة عليها أن توفر البيئة والمؤسسات والبنية الأساسية والفرص ، والقطاع الخاص عليه أن يستثمر في الإنسان المصري، لا أن ينظر إليه فقط باعتباره عنصر تكلفة ، والجامعة مطالبة بأن تخرج شابًا قادرًا على التفكير والإنتاج لا مجرد حامل لشهادة ، والأسرة مطالبة بغرس قيم المسؤولية والانضباط والعمل.

أما الشباب فعليهم مسؤولية لا تقل أهمية: أن يتحولوا من انتظار الفرصة إلى " صناعة الفرصة " ، ومن الشكوى من الواقع إلى محاولة تغييره، ومن الاستهلاك إلى الإنتاج، ومن المتابعة إلى المشاركة.

وفي الختام ، يمكن القول إن الدولة أنفقت خلال السنوات الماضية استثمارات ضخمة في البنية الأساسية والمشروعات القومية، وهي استثمارات ضرورية لبناء اقتصاد قادر على النمو ،  لكن البنية الأساسية، مهما بلغت قيمتها، لا تستطيع وحدها صناعة المستقبل ، فالمستقبل يصنعه الإنسان.

ولهذا فإن أعظم مشروع قومي يمكن أن تبنيه الدولة المصرية هو الإنسان المصري القادر على العلم والعمل والابتكار وتحمل المسؤولية.

ومن هنا فإن الاستثمار في الشباب يجب أن يصبح " استراتيجية وطنية ممتدة " ، لا ملفًا مؤقتًا ، او موسميا ،  وهي استراتيجية تبدأ من التعليم، وتمر بالتدريب، وتصل إلى العمل وريادة الأعمال والمشاركة المجتمعية وصناعة القرار.

وإذا نجحت مصر في تحويل طاقة شبابها من قوة كامنة إلى قوة منتجة، ومن جمهور مستهدف بالسياسات إلى شريك في صناعتها، ومن صاحب فكرة إلى صاحب مشروع، ومن متلقٍ للمعلومة إلى منتج للمعرفة، فإنها لن تكون فقط قد حلت جزءًا من مشكلاتها الاقتصادية والاجتماعية، وإنما تكون قد أسست واحدة من أهم دعائم أمنها القومي واستقرارها ومستقبلها.

إن شباب مصر ليسوا صفحة مؤجلة في كتاب الوطن، ولا مجرد عنوان لمناسبة سنوية ،  إنهم الصفحة التي تُكتب الآن وتقتضي المسؤولية الوطنية أن نمنحهم المعرفة والثقة والفرصة، وأن نطلب منهم في المقابل العمل والانضباط والإبداع وتحمل المسؤولية.

وحين يجد كل شاب مصري طريقًا من الفكرة إلى الفرصة، ومن الفرصة إلى العمل، ومن العمل إلى الإنجاز، فإن الحديث عن مستقبل مصر لن يبقى وعدًا؛ بل يتحول إلى واقع تصنعه أيدي أبنائها.

تم نسخ الرابط