عاجل

واشنطن تُحضر لعزل إيران اقتصاديًا.. ما الخطة الأمريكية الجديدة؟

وزير الخزانة الأمريكي
وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت

لم يكشف وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت حتى الآن عن تفاصيل الإجراءات التي تعتزم واشنطن الإعلان عنها الأسبوع المقبل ضد إيران، لكنه وصفها بأنها ستكون «عزلة اقتصادية لم يشهد العالم مثلها من قبل».

وتكتسب تصريحات بيسنت أهمية خاصة، لأنها لا تتحدث عن حزمة عقوبات تقليدية جديدة، بل عن استراتيجية أوسع تجمع بين أدوات مالية وتجارية ونفطية وبحرية، في محاولة لإغلاق معظم القنوات التي تعتمد عليها إيران للحفاظ على تدفق الإيرادات وتحريك الأموال.

وقال بيسنت، في 13 أغسطس، إن الولايات المتحدة ستطبق إجراءات غير مسبوقة في تاريخ العزلة الاقتصادية ضد دولة، موضحًا أن هذه الإجراءات ستتزامن مع استمرار الحصار في مضيق هرمز، بما يمنع دخول أي بضائع إلى الموانئ الإيرانية أو خروجها منها.

ومن المتوقع أن تكشف الإدارة الأمريكية عن تفاصيل إضافية خلال الأيام المقبلة.

PERSPECTIVE: Iran's Economic Crisis Threatens National Security Amid  Currency Collapse and Sanctions - HSToday

من العقوبات إلى العزلة الاقتصادية

يعكس استخدام مصطلح «العزلة الاقتصادية» تحولًا في طبيعة الاستراتيجية الأمريكية تجاه إيران، فالعقوبات التقليدية تستهدف عادة بنكًا أو شركة أو قطاعًا اقتصاديًا أو مسؤولًا بعينه، بينما تهدف العزلة الاقتصادية إلى استهداف المنظومة بأكملها، بما في ذلك الجهات التي تسمح للاقتصاد الإيراني بالاستمرار رغم العقوبات.

وتشمل هذه المنظومة المشترين، والبنوك التي تنفذ عمليات الدفع، وشركات الشحن، وشركات التأمين، والوسطاء التجاريين، وشركات تحويل الأموال، والمؤسسات الأجنبية التي تمنح إيران منفذًا إلى النظام المالي العالمي.

وكانت وزارة الخزانة الأمريكية قد أعلنت، في يونيو الماضي، ضمن عملية حملت اسم «الغضب الاقتصادي»، أنها تستهدف قدرة إيران على توليد الإيرادات وتحريكها وإعادتها إلى داخل البلاد، مؤكدة أن الإجراءات التي اتخذتها عطلت عشرات المليارات من الدولارات التي كان يمكن أن تصل إلى الحكومة الإيرانية وحلفائها.

كما استهدفت واشنطن شبكات مصرفية غير رسمية، وأصولًا رقمية، وسفنًا وشركات مرتبطة بقطاع النفط الإيراني.

وفي مايو الماضي، فرضت وزارة الخزانة الأمريكية إجراءات استهدفت شركات صرافة وشركات واجهة مرتبطة بإيران، قالت إنها أدارت معاملات بمليارات الدولارات، وساعدت في تحويل عائدات النفط والبتروكيماويات إلى النظام المالي الدولي.

وشملت الإجراءات أيضًا 19 سفينة مرتبطة بنقل النفط والمنتجات البتروكيماوية الإيرانية.

كيف يمكن تنفيذ خطة العزل؟

يرى محللون أن تنفيذ الخطة الأمريكية يتطلب استهداف خمس حلقات رئيسية في وقت واحد، وهي:

  • صادرات النفط.
  • شركات الشحن.
  • شركات التأمين.
  • أنظمة الدفع والتحويل المالي.
  • آليات إعادة الأموال إلى إيران.

وتستند هذه الاستراتيجية إلى فرضية بسيطة؛ فإيران تستطيع بيع النفط إذا وجدت مشتريًا، والمشتري يستطيع الدفع إذا وجد بنكًا ينفذ المعاملة، بينما تستطيع السفينة نقل الشحنة إذا حصلت على التأمين وتمكنت من الوصول إلى الموانئ.

لكن استهداف جميع هذه الحلقات في الوقت نفسه قد يجعل تصدير النفط الإيراني عملية أكثر تعقيدًا وكلفة.

ولهذا السبب، كثفت واشنطن خلال الأشهر الماضية ضغوطها على ما يعرف بـ«الأسطول الموازي»، إلى جانب شركات الواجهة والمصافي الصينية المستقلة.

وأكدت وزارة الخزانة الأمريكية أنها مستعدة لفرض عقوبات ثانوية على المؤسسات المالية الأجنبية التي تسهل التعاملات المرتبطة بإيران، بما في ذلك المؤسسات المرتبطة بالمصافي الصينية المستقلة.

العقوبات الثانوية.. السلاح الأكثر تأثيرًا

تُعد العقوبات الثانوية من أكثر الأدوات الأمريكية تأثيرًا، لأنها لا تستهدف إيران بشكل مباشر فقط، بل تستهدف أيضًا الشركات والبنوك الأجنبية التي تتعامل معها.

وبموجب هذه السياسة، تجد المؤسسات الأجنبية نفسها أمام خيارين: الاستمرار في التعامل مع إيران أو الاحتفاظ بإمكانية الوصول إلى النظام المالي الأمريكي والأسواق الأمريكية.

وأثبت هذا النوع من العقوبات فعاليته في تجارب سابقة.

ووفقًا للجنة المراجعة الاقتصادية والأمنية الأمريكية الصينية، شهدت التجارة بين الصين وروسيا تراجعًا حادًا خلال أغسطس 2024، بعدما أوقفت بنوك صينية معاملات مع جهات روسية عقب تهديدات أمريكية بفرض عقوبات ثانوية.

ويرى محللون أن واشنطن قد تعتمد النموذج نفسه مع إيران، عبر زيادة الضغوط على البنوك والمؤسسات الأجنبية، بدلًا من استهداف كل جهة بشكل منفصل.

كيف واجهت إيران العقوبات؟

على مدى سنوات، طورت إيران نموذجًا اقتصاديًا يعتمد على الالتفاف على العقوبات من خلال استخدام شركات واجهة ووسطاء تجاريين ومصارف صغيرة، إلى جانب الاعتماد على العملات المحلية والمقايضة ونقل الشحنات بين السفن وإخفاء مصادرها.

كما تشير تقارير أمريكية إلى أن جزءًا من تجارة النفط الإيرانية مع الصين يتم بعيدًا عن الدولار، من خلال شبكات مصرفية غير رسمية وترتيبات تجارية تعتمد على المقايضة.

وبحسب هذه التقارير، استخدمت بعض العائدات النفطية في تمويل مشروعات بنية تحتية تنفذها شركات صينية داخل إيران.

اقتصاد قائم على البقاء

وفي الوقت نفسه، ذكرت صحيفة «وول ستريت جورنال» أن السلطات الإيرانية بدأت إعادة هيكلة الاقتصاد على أساس إدارة مرحلة طويلة من الضغوط، عبر تقنين بعض السلع، وتشديد القيود على العملات الأجنبية، وخفض الاستثمارات، مع الحفاظ على الواردات الأساسية.

وأشارت الصحيفة إلى أن هذه السياسات قد تؤدي إلى زيادة معدلات الفقر واتساع الاختلالات الاقتصادية.

وفي ظل هذه التطورات، تبدو المعركة الاقتصادية بين واشنطن وطهران مقبلة على مرحلة جديدة، عنوانها ليس فرض عقوبات إضافية فحسب، بل محاولة عزل الاقتصاد الإيراني بالكامل عن الشبكات المالية والتجارية التي سمحت له بالاستمرار خلال السنوات الماضية.

تم نسخ الرابط