الفاتيكان يحيي ذكرى استشهاد القديس مكسيميليان كولبي.. راهب فضّل الموت حباً
في الذكرى الـ85 لاستشهاده، يستذكر الفاتيكان والكنيسة الكاثوليكية القديس مكسيميليان كولبي، الراهب البولندي الذي فضّل الموت جوعاً في معسكر أوشفيتز النازي، ليحلّ مكان رجل متزوج وأب لعائلة، تاركاً شهادة خالدة بأن الحب أقوى من الموت.
وُلد كولبي في 7 يناير 1894 بمدينة زدونسكا-فولا البولندية، لعائلة مسيحية تقيّة، وحمل في المعمودية اسم رايموند. التحق بمدرسة الفرنسيسكان، ثم دخل عام 1910 رهبنة الإخوة الأصاغر الديريين، متخذاً اسم مكسيميليان. أُرسل إلى كراكوف ثم إلى روما، حيث درس الفلسفة واللاهوت، وسيم كاهناً عام 1918.
وفي روما، أصيب بمرض السل الذي رافقه طوال حياته، لكنه لم يسمح للمرض أن يطفئ رسالته. أسس "حركة الحبل بلا دنس"، وهي حركة روحية تهدف إلى اهتداء البشر إلى المسيح بواسطة مريم. وبعد عودته إلى بولندا، كرّس نفسه لنشر هذه الرسالة رغم صحته المتدهورة.
وفي عام 1921، أسس مجلة "فارس الحبل بلا دنس"، التي بدأت بعدد قليل من الصفحات ثم انتشرت بشكل هائل، حتى وصلت إلى ملايين النسخ، وأُطلقت سبع مطبوعات أخرى. وفي "نيبوكالانوف" التي عُرفت بـ"مدينة مريم"، أقام مركزاً طباعياً وإرسالياً كبيراً.
ولم يتوقف طموحه عند حدود بولندا، بل ذهب إلى اليابان حيث أسس "مدينة مريم" في ناغازاكي، وفتح لاحقاً بيتاً في الهند، متعاوناً مع اليهود والبروتستانت والبوذيين، مؤمناً بأن الله يزرع بذور الحق في مختلف الشعوب والأديان.
بعد الغزو النازي لبولندا عام 1939، تحولت "نيبوكالانوف" إلى ملجأ للجرحى والمرضى والنازحين، ومن بينهم نحو 1500 يهودي. اعتُقل كولبي ثم أُطلق سراحه، لكنه واصل خدمة المحتاجين. وفي فبراير 1941، اعتُقل مجدداً، ونُقل في مايو إلى معسكر أوشفيتز.
هناك، وسط الجحيم النازي، بقي كاهناً يشجع السجناء ويحافظ على كرامتهم. وعندما اختار النازيون عشرة سجناء للموت جوعاً عقاباً لهروب أحد المعتقلين، تطوع كولبي ليحلّ مكان رجل متزوج وأب لعائلة. في القبو، حوّل الموت إلى صلاة، وقاد رفاقه في التضرع والترنيم.
بعد أسبوعين، بقي كولبي وثلاثة آخرون أحياء، فأعطاه الحراس حقنة قاتلة. مدّ ذراعه بهدوء، وكانت كلماته الأخيرة: "السلام عليك يا مريم". في 14 أغسطس 1941، رحل القديس مكسيميليان كولبي، لكنه ترك شهادة لا تموت: حين يختار الإنسان أن يحب، حتى في قلب الموت، يصبح الحب أقوى من الموت نفسه.