عاجل

«من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه».. انطلاق الأسبوع الثقافي بأوقاف أسيوط

خلال الحملة
خلال الحملة

بتوجيهاتٍ كريمة من معالي الأستاذ الدكتور أسامة السيد الأزهري، وزير الأوقاف، وبرعاية فضيلة الدكتور عيد علي خليفة، وكيل وزارة الأوقاف بأسيوط،

انطلقت اليوم الأحد الموافق 9 أغسطس 2026م فعاليات اليوم الأول من الأسبوع الثقافي بمديرية أوقاف أسيوط، وذلك بمسجد الفتح بالناصرية التابع لإدارة أوقاف الفتح قبلي، تحت عنوان: «من حُسنِ إسلامِ المرءِ تركُه ما لا يَعنيهِ»، في إطار جهود وزارة الأوقاف الرامية إلى بناء الوعي الديني الرشيد، وترسيخ القيم الأخلاقية، وتصحيح المفاهيم والسلوكيات التي تمس حياة الفرد والأسرة والمجتمع.

وجاء اللقاء ليضع بين أيدي الحضور قضية بالغة الأهمية في حياة الناس، وهي قضية الانشغال بما لا يعني الإنسان، والتدخل في شؤون الآخرين، وتتبع أخبارهم وخصوصياتهم، والانشغال بالقيل والقال، وما يترتب على ذلك من آثار سلبية قد تبدأ بكلمة عابرة أو سؤال بدافع الفضول، ثم تتسع لتتحول إلى سوء ظن، أو غيبة، أو نميمة، أو خصومة، أو انتهاك لخصوصية الآخرين، وهو ما يتعارض مع المنهج الإسلامي الذي جاء لحفظ كرامة الإنسان وصيانة المجتمع وإقامة العلاقات بين أفراده على الثقة والاحترام وحسن الظن.

وافتُتحت فعاليات اللقاء بتلاوة عطرة لآيات من كتاب الله تعالى، أعقبتها كلمات العلماء المشاركين، الذين تناولوا موضوع اللقاء من جوانبه الشرعية والاجتماعية والتربوية، مؤكدين أن الحديث النبوي الشريف: «من حُسنِ إسلامِ المرءِ تركُه ما لا يَعنيهِ» يمثل قاعدة عظيمة من قواعد تهذيب النفس وحسن التعامل مع الآخرين، وأن تطبيقه في الحياة اليومية كفيل بالحد من كثير من المشكلات التي يعاني منها المجتمع.

وتحدث فضيلة الشيخ رمضان جمعة أحمد، مدير المساجد بمديرية أوقاف أسيوط، حول موضوع اللقاء من الناحية الدينية والشرعية، موضحًا أن هذا الحديث النبوي الشريف من جوامع الكلم، وقد رواه الإمام الترمذي وابن ماجه، وهو يضع للمسلم ميزانًا دقيقًا في علاقته بنفسه وبمن حوله؛ فلا ينشغل إلا بما ينفعه، ولا يتدخل إلا فيما يملك فيه حقًا أو مسؤولية، ولا يجعل حياته ساحة لمراقبة الآخرين وتتبع تفاصيلهم وأخبارهم.

وأوضح فضيلته أن الإسلام لا يريد من الإنسان أن يكون منعزلًا عن مجتمعه أو غير مبالٍ بقضايا الناس، وإنما يريد منه أن يكون إيجابيًا نافعًا، فإذا رأى خيرًا أعان عليه، وإذا رأى منكرًا تعامل معه بالحكمة والضوابط الشرعية، وإذا وجد خصومة سعى في الإصلاح، أما أن يجعل الإنسان من نفسه رقيبًا على الآخرين، ويتتبع أسرارهم، ويبحث عن عيوبهم، ويسأل عن تفاصيل حياتهم التي لا تعنيه، فذلك من السلوكيات التي نهى عنها الإسلام وحذر منها.

وأشار فضيلته إلى أن القرآن الكريم رسم حدودًا واضحة في التعامل مع خصوصيات الناس، فقال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [الحجرات: 12]، مؤكدًا أن النهي عن التجسس والغيبة ليس مجرد نهي عن كلمات أو أفعال منفردة، وإنما هو حماية للمجتمع من منظومة كاملة من السلوكيات التي تبدأ بالتدخل في خصوصيات الناس، ثم تتحول إلى نقل الكلام وتأويل المواقف وإطلاق الأحكام، وقد تنتهي بقطع العلاقات وإفساد البيوت وإشعال الخصومات.

وأضاف أن من أعظم ما يعين المسلم على ترك ما لا يعنيه أن يدرك أن كل كلمة وكل موقف وكل تصرف محسوب عليه، قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: 36]، فالمؤمن لا يبني أحكامه على الظنون، ولا يتحدث فيما لا يعلم، ولا ينقل ما لم يتحقق منه، ولا يجعل سمعه وبصره وفؤاده أدوات للتدخل في حياة الآخرين بغير حق.

وأكد فضيلته أن ضبط اللسان من أعظم أبواب النجاة، مستشهدًا بقول النبي ﷺ: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت»، متفق عليه، موضحًا أن الصمت في موضعه ليس ضعفًا ولا عجزًا، وإنما قد يكون حكمة وعبادة وأدبًا، وأن الإنسان العاقل لا يقيس قدرته على الكلام بعدد ما يستطيع قوله، وإنما بقدرته على معرفة متى يتكلم ومتى يصمت.

كما استشهد فضيلته بقول النبي ﷺ: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده»، متفق عليه، موضحًا أن سلامة الناس من أذى المسلم لا تقتصر على الأذى المادي، وإنما تشمل كذلك أذى الكلام، والاتهام، والسخرية، والتشهير، وإفشاء الأسرار، وتتبع العورات، ونقل الأخبار التي تسيء إلى الآخرين.

وبيّن أن من علامات حسن الإسلام أن يعرف الإنسان قيمة وقته، فلا يستهلكه في القيل والقال، ولا يجعل حياته قائمة على متابعة ما يفعله الآخرون، ولا ينشغل بأخطاء الناس عن أخطائه، مستشهدًا بقول الله تعالى في وصف عباد الرحمن: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون: 3].

وأكد فضيلته أن ترك ما لا يعني الإنسان لا يعني أبدًا ترك النصيحة أو التخلي عن المسؤولية الاجتماعية، فهناك فرق كبير بين النصيحة والإصلاح من جهة، والتطفل والتدخل من جهة أخرى؛ فالنصيحة لها ضوابطها من العلم والحكمة وحسن القصد، أما التدخل في شؤون الناس لمجرد الفضول أو حب الاستطلاع أو الرغبة في معرفة الأسرار، فإنه سلوك ينبغي للمسلم أن يجاهد نفسه على تركه.

وأوضح أن من أجمل ما يربي عليه هذا الحديث المسلم أن يسأل نفسه قبل أن يتحدث عن أمر أو شخص: هل هذا الأمر يعنيني؟ وهل أملك علمًا صحيحًا به؟ وهل تدخلي سيحقق مصلحة أم سيزيد المشكلة؟ وهل أرضى أن يتعامل معي الآخرون بالطريقة نفسها؟ فإذا كانت الإجابة أن الأمر لا يعنيه، فإن تركه أولى وأحفظ لدينه وكرامته وكرامة الآخرين.

ومن جانبه، تناول فضيلة الشيخ زين العابدين محمد أحمد، عضو المكتب الفني لوكيل الوزارة، موضوع الأسبوع الثقافي من الناحية الاجتماعية، موضحًا أن التدخل فيما لا يعني الإنسان أصبح في عصرنا أكثر خطورة واتساعًا، خاصة مع الانتشار الكبير لوسائل التواصل الاجتماعي، التي جعلت أخبار الناس وصورهم وتفاصيل حياتهم تصل إلى الآخرين في لحظات، وهو ما يفرض على الجميع قدرًا أكبر من المسؤولية والوعي.

وأوضح فضيلته أن المشكلة تبدأ عندما يتحول الاهتمام الطبيعي بالآخرين إلى فضول زائد، ثم يتحول الفضول إلى تتبع، والتتبع إلى إصدار أحكام، والأحكام إلى نشر وتعليق وتشهير، وهنا لا يعود الأمر مجرد سلوك شخصي، بل يتحول إلى مشكلة اجتماعية تؤثر في استقرار العلاقات وثقة الناس بعضهم ببعض.

وأشار إلى أن من أخطر الآثار الاجتماعية للتدخل في شؤون الآخرين أنه يضعف الثقة بين أفراد المجتمع، ويجعل الإنسان يشعر بأنه مراقب في كل تصرفاته، كما قد يؤدي إلى توتر العلاقات الأسرية، ووقوع الخلافات بين الأصدقاء والجيران والزملاء، فضلًا عما قد ينتج عنه من ظلم لأشخاص لم تُتح لهم فرصة الدفاع عن أنفسهم.

وأضاف أن الأمر يصبح أكثر خطورة عندما يرتبط بنقل الأخبار والمعلومات غير الموثوقة، مؤكدًا أن النبي ﷺ حذر من نقل كل ما يسمعه الإنسان، فقال ﷺ: «كفى بالمرءِ كذبًا أن يُحدِّثَ بكلِّ ما سمع»، رواه مسلم في مقدمة صحيحه، وهو توجيه نبوي عظيم يؤكد أن الإنسان ليس مطالبًا بأن يكون ناقلًا لكل ما يصل إلى أذنه، بل مطالب بأن يكون مسؤولًا عن الكلمة التي يخرجها من فمه وعن المعلومة التي ينقلها إلى غيره.

وأكد فضيلته أن وسائل التواصل الاجتماعي لا تعفي الإنسان من المسؤولية، بل تزيدها؛ فالكلمة المكتوبة قد تنتشر في لحظات، والصورة قد تصل إلى آلاف الأشخاص، والمعلومة الخاطئة قد يصعب تصحيح آثارها بعد انتشارها، ولذلك فإن ترك ما لا يعني الإنسان في عصرنا يجب أن يشمل أيضًا عدم البحث عن خصوصيات الآخرين، وعدم تداول صورهم أو أخبارهم دون حاجة أو حق، وعدم التعليق على حياتهم الخاصة، وعدم تحويل المنصات الرقمية إلى ساحات للمراقبة والحكم والتشهير.

وأوضح أن العلاج يبدأ أولًا بتربية النفس على التوقف لحظة قبل التدخل أو التعليق أو النشر، وأن يسأل الإنسان نفسه: هل ما سأقوله أو أنشره يحقق فائدة حقيقية؟ هل هو صحيح؟ هل يحق لي نشره؟ وهل يمكن أن يسبب ضررًا لشخص آخر؟ فإذا لم يكن هناك خير واضح، فالصمت والترك أولى.

كما دعا إلى احترام الخصوصية باعتبارها قيمة إنسانية وإسلامية، وإلى تدريب الأبناء منذ الصغر على عدم نقل أسرار الآخرين، وعدم السخرية منهم، وعدم تتبع أخبار زملائهم وأصدقائهم، وعدم اعتبار معرفة التفاصيل الخاصة بالآخرين نوعًا من القوة أو التفوق الاجتماعي.

وأكد أن الأسرة عليها دور محوري في علاج هذه الظاهرة، من خلال تقديم القدوة الحسنة للأبناء، فلا يسمعون في المنزل حديثًا دائمًا عن الناس وأسرارهم وعيوبهم، وإنما يتعلمون أن الإنسان مشغول بإصلاح نفسه، وأن كرامة الآخرين وخصوصياتهم ليست مادة للتسلية أو الحديث.

كما أن العلاج يحتاج إلى ترسيخ ثقافة إيجابية تقوم على توجيه طاقة الإنسان إلى ما ينفعه؛ فالإنسان الذي يستثمر وقته في عمله، وأسرته، وعبادته، وتعلمه، وخدمة مجتمعه، لن يجد وقتًا طويلًا لتتبع حياة الآخرين، لأن الانشغال بالبناء أقوى علاج للانشغال بالناس.

وأشار فضيلته إلى أن المجتمع لا يحتاج إلى أشخاص يراقبون بعضهم بعضًا، وإنما يحتاج إلى أشخاص يتعاونون على الخير، فإذا رأى الإنسان مشكلة حقيقية فليتدخل بقصد الإصلاح، وإذا احتاج أحد إلى النصيحة فليقدمها بالحكمة، وإذا لم يكن له دور حقيقي فليترك الأمر لأهله، لأن التدخل غير المنضبط قد يحول المشكلة الصغيرة إلى أزمة كبيرة.

وتطرق الجانب التربوي في اللقاء إلى ضرورة أن يتحول الحديث النبوي الشريف إلى سلوك يومي عملي، فيتعلم الإنسان أن يراجع نفسه قبل أن يتحدث، وأن يحترم خصوصيات الآخرين، وأن يتجنب إطلاق الأحكام، وأن يحسن الظن ما وجد إلى ذلك سبيلًا، وأن يجعل اهتمامه الأول بإصلاح نفسه وأسرته وعمله ومجتمعه.

واختُتمت فعاليات اليوم الأول من الأسبوع الثقافي بالتأكيد على أن قوله ﷺ: «من حُسنِ إسلامِ المرءِ تركُه ما لا يَعنيهِ» ليس دعوة إلى السلبية أو اللامبالاة، وإنما هو دعوة إلى الوعي والانضباط وحسن تقدير المسؤولية؛ فالمسلم الإيجابي هو الذي يعرف متى يتدخل للإصلاح، ومتى ينصح، ومتى يساعد، ومتى يصمت، ومتى يترك الأمر لأهله.

وقد عكست فعاليات اللقاء الدور الذي تقوم به وزارة الأوقاف ومديرية أوقاف أسيوط في تناول القضايا التي تمس حياة المواطنين بصورة مباشرة، وربط الأحكام والقيم الدينية بالواقع الاجتماعي، بما يسهم في بناء وعي متزن يحفظ للإنسان دينه ووقته وكرامته، ويحفظ للمجتمع أمنه واستقراره وترابطه.

تم نسخ الرابط