من الشائعات إلى «الديب فيك».. نواب يحذرون من مخاطر السوشيال ميديا
لم تعد مواقع التواصل الاجتماعي مجرد منصات لتبادل الآراء والمعلومات، بعدما تحولت إلى مساحة واسعة لصناعة الرأي العام والتأثير في توجهات المجتمع، بالتزامن مع تصاعد مخاطر الشائعات والتشهير والابتزاز وانتهاك الخصوصية، وظهور تقنيات الذكاء الاصطناعي التي جعلت إنتاج المحتوى المفبرك أكثر إقناعًا وصعوبة في الاكتشاف.
وفي ظل اتجاه الحكومة لإعداد تشريع لمواجهة مخاطر مواقع التواصل الاجتماعي، تتصاعد المطالب البرلمانية بضرورة أن يتجاوز القانون فكرة العقوبات وحدها، وأن يضع إطارًا متكاملًا يوازن بين حماية المجتمع ومواجهة الجرائم الرقمية من جهة، والحفاظ على حرية الرأي والتعبير من جهة أخرى.
سرعة انتشار الكذبة أصبحت أكبر من الحقيقة
أكد النائب ناجي الشهابي، عضو مجلس الشيوخ ورئيس حزب الجيل، أن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت تمتلك قدرة كبيرة على صناعة الرأي العام والتأثير فيه، موضحًا أن سرعة انتشار الكذبة أصبحت أحيانًا أكبر من سرعة انتشار الحقيقة، وهو ما يجعل مواجهة المحتوى المضلل ضرورة لحماية المجتمع.
وقال الشهابي، في تصريحات لـ«نيوز رووم»، إن فوضى وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت من أخطر التحديات التي تواجه المجتمع المصري، مشيرًا إلى أن المشكلة لا تكمن في وسائل التواصل ذاتها، وإنما في الاستخدام المنفلت لها وتحولها إلى ساحات لنشر الشائعات والأكاذيب والتشهير والابتزاز وانتهاك الخصوصية والتحريض وإثارة الفتن.
الذكاء الاصطناعي يضاعف مخاطر المحتوى المفبرك
وأضاف أن تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي زاد من خطورة الظاهرة، بعدما أصبح إنتاج صور وفيديوهات وتسجيلات صوتية مفبركة شديدة الإقناع أمرًا ممكنًا، مؤكدًا أن ذلك يفرض على المشرع التحرك بسرعة لمواكبة التطور التكنولوجي.
وأكد الشهابي أن قانون تنظيم وسائل التواصل الاجتماعي المرتقب يمثل خطوة مهمة، لكنه لن يكون وحده كافيًا لإنهاء الأزمة، مشيرًا إلى ضرورة تطوير التشريعات القائمة لمواجهة التطورات المتلاحقة.
4 محاور لمواجهة فوضى السوشيال ميديا
وأوضح أن المطلوب إطار تشريعي متكامل يقوم على أربعة محاور، هي الوقاية، والتنظيم، وسرعة الاستجابة، والعقوبة الرادعة، مع تحقيق التوازن بين حماية المجتمع وصون الحقوق والحريات.
وشدد على أن حرية الرأي والتعبير والنقد السياسي والمعارضة حقوق مشروعة، لكن لا يجوز أن تتحول إلى سب أو قذف أو تشهير أو ابتزاز أو تحريض على العنف أو نشر متعمد للأكاذيب.
وقال: «نحن نريد حرية رأي، ولكن معها مسؤولية، ونريد نقدًا، ولكن دون تشهير، ونريد فضاءً رقميًا حرًا، ولكن ليس فضاءً للفوضى».
هل نحن أمام أزمة قانون أم أزمة وعي؟
من جانبها، أكدت النائبة نيفين فارس، عضو مجلس الشيوخ، أن فوضى وسائل التواصل الاجتماعي لم تعد مجرد مشكلة مرتبطة بسلوك المستخدمين، كما أن الشائعة لم تعد مجرد خبر كاذب يمكن أن ينتشر لساعات ثم يختفي، مشيرة إلى أن المجتمع أصبح أمام ظاهرة اجتماعية متكاملة أعادت تعريف مفاهيم الحقيقة والخصوصية والمسؤولية.
وقالت فارس، في تصريحات خاصة لـ«نيوز رووم»، إن وسائل التواصل الاجتماعي منحت كل شخص منبرًا مفتوحًا أمام ملايين المتلقين، دون أن تضمن بالضرورة امتلاكه الوعي الكافي بمسؤولية ما يقوله أو ينشره.
وأوضحت أن السوشيال ميديا منحت الإنسان مساحة غير مسبوقة للتعبير، لكنها في الوقت نفسه أزالت كثيرًا من الحواجز التي كانت تفصل بين الرأي والتشهير، وبين النقد والتحريض، وبين حرية التعبير والاعتداء على حقوق الآخرين.
وتساءلت: «هل نحن أمام أزمة قانون أم أزمة وعي؟»، موضحة أنها ترى أن المجتمع أمام الأمرين معًا.
قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات في مواجهة التطورات الجديدة
وأشارت فارس إلى أن القانون المصري يتضمن بالفعل نصوصًا تتعامل مع عدد من جرائم الإنترنت والتجاوزات الرقمية، وفي مقدمتها قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018، إلى جانب القواعد المنظمة للإعلام والنشر وحماية الخصوصية، إلا أن تطور التكنولوجيا أصبح أسرع بكثير من قدرة التشريعات التقليدية على ملاحقة تفاصيلها.
وشددت على أن أي تشريع جديد لتنظيم الفضاء الرقمي يجب ألا يكون مجرد «قانون عقوبات للسوشيال ميديا»، معتبرة أن هذه ستكون معالجة سطحية لمشكلة عميقة، ومؤكدة أن المطلوب تشريع يعيد تعريف العلاقة بين الحرية والمسؤولية والخصوصية والمنصة والمستخدم والدولة.
التشهير والابتزاز ليسا حرية
وأكدت فارس أن الحرية في العالم الرقمي لا يمكن أن تعني أن يقول الإنسان ما يشاء عن الآخرين دون حساب، كما لا يجوز في المقابل أن تتحول مواجهة الفوضى إلى ذريعة لمراقبة الناس أو تقييد النقد أو إسكات الأصوات المختلفة.
وقالت إن القاعدة يجب أن تكون واضحة، وهي أن «ليس كل رأي مسيء جريمة، وليس كل جريمة يمكن أن تختبئ خلف كلمة رأي»، موضحة أن النقد حق، والاختلاف حق، والسؤال حق، وحتى الاعتراض الحاد جزء من المجال العام.
وأضافت أن التشهير ليس رأيًا، والابتزاز ليس حرية، وانتهاك الخصوصية ليس تعبيرًا، والتحريض على العنف ليس اختلافًا، كما أن نشر الأكاذيب عمدًا بهدف الإضرار بالآخرين لا يمكن أن يحصل على حصانة لمجرد أنه نُشر على منصة اجتماعية.
تعريف دقيق للجرائم الرقمية وحماية للأطفال
وأكدت فارس أن التشريع الجيد يجب أن يحدد الجرائم الرقمية بصورة دقيقة، وأن يضع تعريفات واضحة للتشهير والابتزاز والتحريض وانتهاك الخصوصية واستغلال الأطفال ونشر البيانات الشخصية دون سند قانوني، إلى جانب وضع مسؤوليات واضحة على المستخدمين والمنصات والمؤثرين والجهات الإعلانية.
كما شددت على ضرورة التعامل مع الحسابات الوهمية والشبكات المنظمة التي تستخدم المنصات الرقمية في التضليل أو الاحتيال أو الإضرار بالآخرين، مع ضرورة وجود ضوابط قضائية واضحة تمنع التوسع في استخدام هذه الأدوات ضد حرية التعبير.
وأوضحت أن حماية الأطفال يجب أن تكون في مقدمة أي تشريع جديد، مشيرة إلى أن التنمر الإلكتروني والاستغلال والابتزاز ونشر صور الأطفال ومعلوماتهم الخاصة ليست مجرد مخالفات سلوكية، وإنما اعتداءات قد تترك آثارًا طويلة المدى على شخصية الطفل ومستقبله.
العقوبات وحدها لا تكفي لمواجهة الظاهرة
واتفق طرح النائب ناجي الشهابي والنائبة نيفين فارس على أن القانون وحده لا يستطيع مواجهة جميع مخاطر مواقع التواصل الاجتماعي، وأن المواجهة تحتاج إلى جانب تشريعي وآخر توعوي.
وأكدت فارس أن تشديد العقوبات وحده لا يكفي لمواجهة فوضى وسائل التواصل الاجتماعي، موضحة أن العقوبة جزء من الحل وليست الحل كله، لأن القانون يستطيع أن يخيف المخالف، لكنه لا يستطيع وحده أن يصنع إنسانًا مسؤولًا.
وشددت على ضرورة بناء وعي رقمي يبدأ من المدرسة والجامعة والأسرة، ويمتد إلى الإعلام والمؤسسات الدينية والمجتمع المدني، مع تعليم الأجيال الجديدة أن إعادة النشر ليست فعلًا بريئًا دائمًا، وأن الضغط على زر المشاركة قد يجعل الإنسان شريكًا في نشر ضرر لا يعرف نتائجه.
رقابة على الجريمة لا على الرأي
ودعت فارس إلى وجود إعلام مهني لا يشارك في صناعة الترند لمجرد الترند، وإلى منصات تمتلك آليات أكثر وضوحًا وسرعة للتعامل مع المحتوى الإجرامي، مع وجود حق حقيقي للمستخدم في الاعتراض على قرارات الحذف أو التقييد.
وأكدت أن المجتمع بحاجة إلى رقابة قانونية وليست رقابة على العقول، موضحة أن الرقابة يجب أن تستهدف الجريمة وليس الرأي، وأن تواجه التحريض وليس الاختلاف، وتحمي الخصوصية ولا تمنع النقد، وتحاصر التضليل المتعمد دون أن تجعل الدولة هي الجهة الوحيدة التي تحدد ما يجب أن يعتقده المجتمع.
معادلة التشريع المرتقب: حرية ومسؤولية
وشدد الشهابي على أن المواجهة تحتاج إلى تشريع واضح وتطبيق حاسم ووعي مجتمعي، يبدأ من الأسرة والمدرسة والجامعة والإعلام، مع تعليم المواطنين التحقق من المعلومات والتمييز بين الخبر والرأي والمحتوى الحقيقي والمفبرك.
وأكد أن الدولة لا تحارب التكنولوجيا وإنما إساءة استخدامها، قائلًا: «المعركة الحقيقية ليست مع السوشيال ميديا، وإنما مع الفوضى التي يمكن أن تنشأ عندما تسبق التكنولوجيا التشريع والوعي والمسؤولية».
واختتمت فارس بالتأكيد على أن المجتمع لا يحتاج إلى فضاء رقمي أكثر خوفًا، بقدر ما يحتاج إلى فضاء رقمي أكثر مسؤولية، وأن المعادلة التي يجب أن يقوم عليها أي تشريع جديد هي: «حرية بلا فوضى.. رقابة بلا وصاية.. وعقوبة بلا انتقام».