عاجل

القطن المصري بين التصدير والتصنيع.. أيهما يحقق لمصر عائدا أكبر؟

القطن
القطن

يواجه القطن المصري مع انطلاق الموسم الجديد معادلة اقتصادية مهمة تتعلق بكيفية تعظيم العائد من المحصول، في ظل توجه الدولة للتوسع في زراعته، بالتوازي مع تنفيذ خطة طموحة لتطوير صناعة الغزل والنسيج وزيادة الطاقة الإنتاجية للمصانع المحلية.

وفي الوقت الذي تمثل فيه صادرات القطن مصدرا مهما للعملة الأجنبية، فإن توجيه جزء من الإنتاج إلى مصانع الغزل والنسيج المحلية يفتح الباب أمام تحقيق قيمة مضافة أكبر، عبر الانتقال من تصدير المادة الخام إلى تصنيعها وتحويلها إلى غزول وأقمشة وملابس جاهزة.

وبحسب البيانات الواردة في خطة الموسم، تستهدف الدولة الوصول بمساحات زراعة القطن إلى نحو 214 ألف فدان خلال الموسم الحالي، مع خطة طويلة الأجل لرفع المساحات إلى نحو 600 ألف فدان بحلول عام 2030، بما يعكس توجها لإعادة القطن إلى موقع أكثر أهمية داخل منظومتي الإنتاج الزراعي والصناعي في مصر.

التصدير.. مصدر للعملة الأجنبية

وقال الدكتور مصطفى عمارة، رئيس بحوث المعاملات الزراعية والمتحدث الإعلامي لمعهد بحوث القطن بوزارة الزراعة واستصلاح الأراضي، ل«نيوز رووم»، إن تصدير القطن المصري يظل أحد المسارات المهمة لتعظيم العائد من المحصول، خاصة في ظل الطلب العالمي على الأصناف المصرية فائقة الطول.

وأوضح أن التوقعات تشير إلى إمكانية ارتفاع صادرات القطن خلال موسم 2026/2027 إلى نحو 350 ألف بالة، مقابل 250 ألف بالة في الموسم السابق، بزيادة تقدر بنحو 40%.

وأضاف أن الأسواق الآسيوية، وعلى رأسها الهند والصين، تمثل أحد أهم مصادر الطلب على القطن المصري، خاصة الأصناف فائقة الجودة التي تدخل في إنتاج الغزول الفاخرة والمفروشات والمنتجات الموجهة إلى الأسواق الأوروبية والأمريكية.

وأشار عمارة إلى أن زيادة الصادرات لا تعني فقط تصريف الإنتاج، وإنما تمثل مصدرا مهما لتوفير العملة الأجنبية، خاصة مع ارتفاع الطلب على الأقطان المصرية ذات الجودة العالية، لافتا إلى أن أسعار القطن العالمية وتكاليف الشحن والتأمين تعد من العوامل المؤثرة في تنافسية المنتج المصري بالأسواق الخارجية.

هل تصدير القطن خاما يحقق أعلى عائد؟

وأوضح الخبير الزراعي أن التحدي الحقيقي لا يتمثل في المفاضلة المطلقة بين التصدير والتصنيع، وإنما في الوصول إلى أفضل تركيبة تحقق لمصر أكبر عائد ممكن من المحصول.

ولفت إلى أن تصدير القطن في صورته الخام يحقق عائدا مباشرا من العملة الأجنبية، بينما يسمح توجيه جزء من الإنتاج إلى الصناعة المحلية بخلق حلقات اقتصادية إضافية تشمل الغزل والنسيج والصباغة والملابس الجاهزة، وهو ما يرفع القيمة الاقتصادية للقطن ويوفر فرص عمل جديدة.

وتشير خطة الدولة إلى توجه واضح نحو زيادة القيمة المضافة محليا، من خلال توجيه جزء من الأقطان إلى مصانع الغزل والنسيج الجديدة، بدلا من الاعتماد بصورة أكبر على تصدير المحصول في صورته الخام.

مصانع الغزل الجديدة تعيد رسم خريطة القطن

وأكد عمارة أن التوسع في صناعة الغزل والنسيج يجعل توفير القطن المحلي أحد العناصر الرئيسية لاستدامة تشغيل المصانع الجديدة، مشيرا إلى أن استراتيجية الدولة تستهدف توجيه جزء من الأقطان، وخاصة الأصناف التي تتناسب مع احتياجات خطوط الإنتاج المصرية، إلى مجمعات الغزل والنسيج الجديدة.

وأضاف أن مجمع مصانع الغزل والنسيج في المحلة الكبرى يمثل أحد أهم مكونات هذه المنظومة، إلى جانب الشركات التابعة لشركة مصر للغزل والنسيج، بما يخلق طلبا محليا على القطن ويفتح المجال أمام تحويله إلى منتجات ذات قيمة اقتصادية أعلى.

وأوضح أن نجاح هذه المنظومة في توفير احتياجات المصانع من القطن المحلي يمكن أن يسهم في تقليل الاعتماد على استيراد بعض الأقطان والغزول من الخارج، بما يخفف الضغط على العملة الأجنبية من جانب، ويرفع القيمة المضافة الناتجة عن المحصول من جانب آخر.

«القطن» أم «المنتج القطني»؟

ويرى عمارة أن الفارق الاقتصادي الأكبر يظهر عند مقارنة تصدير القطن الخام بتصنيع المنتجات النهائية، موضحا أن استراتيجية الدولة تستهدف التحول تدريجيا من تصدير القطن كمادة خام إلى إنتاج الخيوط والأقمشة والملابس الجاهزة.

وأشار إلى أن تصنيع القطن محليا يتيح لمصر الاحتفاظ بجزء أكبر من القيمة الاقتصادية داخل الاقتصاد الوطني، بدلا من اقتصار العائد على قيمة المادة الخام عند تصديرها.

وتبرز أهمية التصنيع بصورة أكبر كلما انتقل القطن عبر مراحل إنتاجية متعددة، بدءا من الغزل ثم النسيج والصباغة وصولا إلى الملابس الجاهزة، بما يوسع نطاق القيمة المضافة ويخلق فرصا أكبر للتشغيل والاستثمار والتصدير.

المعادلة الأفضل.. تصدير الجودة وتصنيع جزء من الإنتاج

وشدد عمارة على أن الحل الاقتصادي الأكثر توازنا لا يتمثل في وقف تصدير القطن لصالح التصنيع المحلي، وإنما في بناء منظومة متكاملة تستفيد من المسارين معا.

وأوضح أن الأصناف فائقة الطول وذات الطلب العالمي يمكن توجيه نسبة منها إلى الأسواق الخارجية، خاصة عندما تحقق أسعارا وعوائد تصديرية مرتفعة، بالتزامن مع توفير احتياجات مصانع الغزل المحلية من الأصناف التي تتناسب مع خطوط الإنتاج المصرية.

وأضاف أن هذه المعادلة تسمح لمصر بتحقيق عائدين متوازيين؛ أولهما العملة الأجنبية من خلال التصدير، والثاني القيمة المضافة والتشغيل والاستثمار من خلال التصنيع المحلي.

التوسع الزراعي يحتاج إلى صناعة قادرة على الاستيعاب

وبحسب خطة وزارة الزراعة، فإن التوسع المستهدف في زراعة القطن لا يرتبط فقط بزيادة المساحات الزراعية، وإنما يرتبط أيضا بقدرة القطاع الصناعي على استيعاب الإنتاج وتوفير سوق مستقرة للمحصول.

وتستهدف الدولة التوسع في زراعة القطن بالأراضي المستصلحة حديثا، مع الاعتماد على الميكنة، إلى جانب استنباط أصناف قصيرة العمر تسمح بجني المحصول مبكرا وزراعة محصول شتوي بعده، فضلا عن التوسع في الزراعة التعاقدية لضمان قدر أكبر من الأمان الاقتصادي للمزارع.

ويرى عمارة أن نجاح هذه الخطة يتطلب تحقيق توازن بين زيادة الإنتاج، وضمان سعر عادل للمزارع، وتوفير احتياجات مصانع الغزل والنسيج، والحفاظ في الوقت نفسه على القدرة التنافسية للقطن المصري في الأسواق الخارجية.

من «الذهب الأبيض» إلى صناعة متكاملة

واختتم عمارة بالتأكيد على أن مستقبل القطن المصري لا يجب أن يقاس فقط بحجم المساحات المزروعة أو كميات الصادرات، وإنما بمدى قدرة الاقتصاد المصري على تحويل المحصول إلى سلسلة صناعية متكاملة تبدأ من الفلاح وتنتهي بمنتج نهائي قادر على المنافسة في الأسواق العالمية.

وأوضح أن زيادة صادرات القطن تظل هدفا مهما لتوفير العملة الأجنبية، لكن تعظيم القيمة المضافة من خلال الغزل والنسيج والملابس الجاهزة يمثل المسار الأكثر قدرة على زيادة العائد الاقتصادي من المحصول، وخلق فرص عمل، وتعميق التصنيع المحلي.

وبذلك، لا تبدو المعادلة بين تصدير القطن وتصنيعه معركة بين خيارين، بقدر ما هي محاولة لتحقيق أفضل توزيع للإنتاج؛ بحيث تستفيد مصر من ميزة القطن المصري في الأسواق العالمية، وفي الوقت نفسه تحتفظ بأكبر قدر ممكن من القيمة الاقتصادية داخل الاقتصاد الوطني.

تم نسخ الرابط