عاجل

اتفاق مكة.. ما الذي يمكن توقعه من التحالف الجديد بين السعودية وتركيا وباكستان؟

أرشيفية
أرشيفية

في ظل التحولات المتسارعة التي فرضتها الحرب المستمرة في الشرق الأوسط، تتجه المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان إلى تأسيس معادلة أمنية جديدة في المنطقة، عبر اتفاقية دفاع مشتركة يرى محللون أنها تعكس تحولا متزايدا نحو الاعتماد على القدرات الإقليمية، في وقت تتراجع فيه الثقة بالضمانات الأمنية الأمريكية.

ووقعت الدول الثلاث اتفاقية دفاعية في مكة المكرمة، تنص على مبدأ يشبه المادة الخامسة في حلف شمال الأطلسي "الناتو"، باعتبار أي هجوم على إحدى الدول الثلاث هجوما عليها جميعا.

تعهدت السعودية وتركيا وباكستان بالدفاع المشترك مع تصاعد الاضطرابات في الشرق الأوسط

ويرى محللون، وفقا لوكالة فرانس برس، أن الاتفاقية دشنت تحالفا أمنيا جديدا يربط ثلاث دول سنية تتمتع بعلاقات استراتيجية مع الولايات المتحدة، فيما تسعى الرياض وأنقرة وإسلام آباد إلى التعامل مع تداعيات الحرب، بما في ذلك التهديدات الإيرانية، وأمن الملاحة في المنطقة، ومستقبل الترتيبات الأمنية الإقليمية.

لكن فعالية بند الدفاع المشترك لا تزال موضع تساؤل، خصوصا في ظل الدور الذي تلعبه تركيا وباكستان في جهود الوساطة الرامية إلى احتواء الحرب، وعدم وجود مؤشرات واضحة على استعداد الدولتين للدخول في مواجهة عسكرية مباشرة مع إيران.

تتزايد الملكية الإقليمية مع إبرام تركيا والسعودية وباكستان اتفاقية أمنية جديدة - تركيا اليوم

لماذا جاء الاتفاق الآن؟

يأتي الاتفاق بعد نحو ستة أشهر من اندلاع الحرب في الشرق الأوسط، وفي وقت لم تتمكن فيه الولايات المتحدة، رغم تفوقها العسكري وانتشار قواتها وقواعدها في المنطقة، من إنهاء القدرات العسكرية الإيرانية بشكل حاسم.

وفي المقابل، تواصل إيران خنق حركة الملاحة في مضيق هرمز والمناطق المحيطة به، بينما يواصل حلفاؤها الحوثيون تهديد حركة السفن في البحر الأحمر، ما أدى إلى اضطرابات واسعة في طرق التجارة والطاقة.

ويرى محللون أن هذه التطورات قلبت جزءا كبيرا من معادلات الأمن التي حكمت المنطقة لعقود، ودفعت دول الخليج إلى إعادة تقييم اعتمادها على التفوق العسكري الأمريكي باعتباره الركيزة الأساسية لأمنها.

ورغم الانتشار العسكري الأمريكي الواسع، واجهت القوات الأمريكية صعوبات في اعتراض جميع الطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية التي أطلقتها إيران وحلفاؤها، ما عزز النقاش حول حدود القدرة الأمريكية على توفير حماية كاملة لحلفائها والبنية التحتية الحيوية في الخليج.

وكتب علي شهابي، وهو محلل سياسي مقرب من الحكومة السعودية، أن الاتفاق الجديد يعكس تراجع الردع الأمريكي بصورة كبيرة، معتبرا أن التهديد الإيراني سيحتاج بصورة متزايدة إلى أن تتولى القوى الإقليمية إدارته.

ومنذ اندلاع الحرب، شهدت العلاقات السعودية مع تركيا تقاربا ملحوظا، بعد سنوات من التوتر، بالتزامن مع تعزيز العلاقات بين الرياض وكل من مصر وباكستان، فيما دعمت الدول الأربع جهود الوساطة الرامية إلى إنهاء النزاع.

وتملك السعودية وباكستان تاريخا طويلا من التعاون الأمني، كما سبق أن وقعتا اتفاقية دفاعية مماثلة في عام 2025.

ماذا تستفيد كل دولة؟

يرى أندرياس كريج، المحاضر في شؤون الأمن لدى كلية كينجز كوليدج لندن، أن الدول الثلاث تتمتع بدرجة لافتة من التكامل في القدرات والاحتياجات.

وأوضح أن السعودية، صاحبة الثروة النفطية الضخمة، تمتلك الموارد المالية اللازمة لتمويل القدرات الدفاعية، لكنها تفتقر إلى عمق صناعي عسكري محلي كبير.

في المقابل، تواجه تركيا وباكستان قيودا مالية، لكنهما تمتلكان جيوشا قوية وقدرات عسكرية متقدمة.

وقال كريج إن تركيا تتمتع بالتكنولوجيا والقدرة التصنيعية، لكنها تحتاج إلى أسواق واستثمارات، بينما تمتلك باكستان قوة بشرية وعمقا مؤسسيا عسكريا وقدرة ردع نووية، لكنها تحتاج إلى التمويل والفرص الصناعية.

باكستان والسعودية وتركيا توقع اتفاقية دفاع مشترك؛ أي هجوم على دولة واحدة سيُعتبر هجوماً على جميع الدول.

وبهذا المعنى، توفر السعودية التمويل والأسواق، بينما تقدم تركيا التكنولوجيا والقدرات الصناعية، وتوفر باكستان الخبرة العسكرية والموارد البشرية والردع النووي.

ولا يعني ذلك أن الدول الثلاث قادرة على الحلول محل الولايات المتحدة، التي لا تزال تلعب دورا محوريا في أمن حلفائها بالمنطقة، لكن الاتفاق يمكن أن يوفر طبقة إضافية من الحماية في وقت لا تبدو فيه واشنطن مستعدة، وفقا للمحللين، لتقييد إسرائيل أو توفير حماية كاملة للبنية التحتية الخليجية في مواجهة الردود الإيرانية.

وقال كريج إن مصلحة السعودية تكمن في بناء "طبقات متعددة من الأمن" بدلا من الاعتماد على "مظلة أمريكية واحدة"، وهو ما يضع المملكة في قلب الترتيبات الأمنية الجديدة.

ومع جمع الموارد المالية والتكنولوجية والعسكرية للدول الثلاث، يبدو التحالف قويا من الناحية النظرية، لكن الاختبار الحقيقي سيأتي في حال تعرض إحدى الدول لهجوم مباشر.

هل تهاجم تركيا وباكستان إيران؟

رغم صياغة الاتفاق باعتباره اتفاق دفاع مشترك، يستبعد محللون أن تتجه تركيا وباكستان إلى شن هجوم عسكري على إيران إذا تعرضت السعودية لضربات إيرانية جديدة.

ويستند هذا التقييم، من بين أمور أخرى، إلى أن باكستان لم تشن هجوما على إيران رغم توقيعها اتفاقية دفاعية مماثلة مع السعودية في عام 2025.

وقالت أصلي أيدينتاسباس، الزميلة في معهد بروكينغز، إن تركيا وباكستان لن تدخلا حربا مع إيران، مشيرة إلى أن الدولتين تنظران إلى نفسيهما باعتبارهما "عاملَي استقرار"، وتسعيان إلى خلق زخم سياسي يسمح بدفع جهود التهدئة والحلول الدبلوماسية.

أما إتش إيه هيليير، من المعهد الملكي للخدمات المتحدة، فيرى أن الاتفاق، حتى إذا لم يؤد إلى تدخل عسكري تركي أو باكستاني ضد إيران ردا على استهداف السعودية، يحمل رسالة سياسية ورمزية مهمة إلى كل من طهران وإسرائيل.

وبذلك، وفقا فرانس برس، قد يكون الهدف الأساسي للاتفاق في مرحلته الحالية هو تعزيز الردع ورفع تكلفة أي هجوم، أكثر من كونه آلية تلقائية لإطلاق حرب إقليمية جديدة.

هل يتشكل تحالف إقليمي جديد؟

يأتي التقارب السعودي مع تركيا وباكستان في وقت تشهد فيه منطقة الخليج انقسامات عميقة، وفي ظل تعرض المملكة لهجمات متكررة من إيران وحلفائها.

كما أن العلاقات بين السعودية والإمارات كانت قد شهدت خلافات علنية قبل اندلاع الحرب، ورغم ظهور مؤشرات على تحسن العلاقات بين البلدين مؤخرا، يرى محللون أن أبوظبي قد تتعامل بحذر مع الاتفاق الدفاعي الثلاثي الجديد.

وفي المقابل، لطالما عملت الولايات المتحدة على البناء فوق اتفاقيات أبراهام، التي أدت إلى تطبيع العلاقات بين إسرائيل والإمارات والبحرين ودول أخرى، مع السعي إلى تشكيل بنية أمنية إقليمية تندمج فيها إسرائيل باعتبارها حليفا رئيسيا لواشنطن.

لكن الاتفاق السعودي التركي الباكستاني يبدو، وفقا للمحللين، مختلفا عن هذا التصور، إذ يجمع ثلاثة حلفاء رئيسيين للولايات المتحدة في إطار أمني بديل، من دون إدماج إسرائيل فيه.

تركيا والسعودية وباكستان توقع اتفاقية دفاعية مشتركة تاريخية في مكة المكرمة - [إيلخا] وكالة أنباء إيلكي

وتتخذ تركيا وباكستان مواقف شديدة المعارضة لإسرائيل، بينما تتمسك السعودية بموقفها القائل إن إقامة علاقات دبلوماسية مع إسرائيل مشروطة بالموافقة على مسار يؤدي إلى إقامة دولة فلسطينية.

وقال هيليير إن واشنطن كانت ترغب في قيام بنية أمنية إقليمية تشمل إسرائيل، ولا تزال حريصة على تطبيع العلاقات بين السعودية وإسرائيل، لكن الاتفاق الجديد "لا يشير إلى ذلك على الإطلاق".

وأضاف أن التحالف يعكس رغبة في مواجهة مشروع الهيمنة الإيرانية، وفي الوقت نفسه رفض مشروع الهيمنة الإسرائيلية.

وبذلك، وفقا لوكالة الأنباءء الفرنسية، يفتح الاتفاق الدفاعي بين السعودية وتركيا وباكستان الباب أمام مرحلة جديدة من الترتيبات الأمنية في الشرق الأوسط، تقوم على تعزيز الشراكات الإقليمية وتنويع مصادر الردع، من دون أن يعني ذلك بالضرورة التخلي عن التحالف مع الولايات المتحدة.

تم نسخ الرابط