ميرتس تحت الضغط.. تمرد داخل حزبه يهدد مستقبله كمستشار لألمانيا
يواجه المستشار الألماني فريدريش ميرتس، ضغوطًا متزايدة داخل حزبه، على خلفية الانتقادات الموجهة إلى طريقة إدارته للأزمات والخلافات السياسية، وسط تكهنات متنامية بشأن إمكانية استبداله قبل انتهاء ولايته، في تطور قد يمثل سابقة لافتة في الحياة السياسية الألمانية، وفقًا لمجلة “بوليتيكو”.
وعلى الرغم من تصاعد الانتقادات، لا يبدو أن ميرتس يعتبر مستقبله السياسي مهددًا بشكل مباشر، إذ قال الأسبوع الماضي، عقب تصاعد الخلافات داخل حزبه بشأن تعديل حكومي: “أفترض أن الأمور ستكون قد هدأت قليلًا بحلول سبتمبر”.
ومع اقتراب انتخابات إقليمية حاسمة في سبتمبر المقبل، والتي قد تشهد تحقيق حزب “البديل من أجل ألمانيا” اليميني المتطرف تقدمًا كبيرًا، بدأ مصطلح “Kanzlertausch”، أي تغيير المستشار، يتردد بصورة متزايدة في الأوساط السياسية، في إشارة إلى احتمال استبدال ميرتس بمستشار آخر خلال الخريف.

"تغيير المستشار".. سيناريو غير مألوف
وبينما جاءت الانتقادات العلنية بشكل أساسي من وزراء غادروا الحكومة خلال التعديل الوزاري الأخير، يناقش عدد متزايد من السياسيين داخل حزب “الاتحاد الديمقراطي المسيحي” الذي يتزعمه ميرتس، بعيدًا عن الأضواء، سيناريو استبداله بعد نحو عام واحد فقط من توليه منصبه.
وتعد هذه الفكرة استثنائية في ألمانيا، التي لطالما عرفت باستقرارها السياسي مقارنة بدول أوروبية أخرى، ولم تشهد بعد الحرب العالمية الثانية سوى حالات محدودة لتولي مستشار جديد السلطة من المعسكر السياسي نفسه أثناء وجود سلفه في المنصب.
وتستند فكرة استبدال ميرتس إلى احتمال تعرض المحافظين لانتكاسة كبيرة في الانتخابات الإقليمية بشرق ألمانيا، بما قد يدفع الحزب إلى البحث عن قيادة جديدة قادرة على تحسين شعبيته واحتواء صعود اليمين المتطرف.
صعود البديل يربك المشهد
ويأتي ذلك في وقت يتصدر فيه حزب “البديل من أجل ألمانيا” استطلاعات الرأي على المستوى الوطني، مع توقعات بتحقيقه نتائج قوية في عدد من الانتخابات الإقليمية المقبلة.
وتشير استطلاعات الرأي إلى أن الحزب قد يقترب من تحقيق أغلبية مطلقة في انتخابات ولاية ساكسونيا-أنهالت المقررة في 6 سبتمبر، كما ينافس بقوة في ميكلنبورج-فوربومرن، وسط توقعات بتحقيقه نتائج متقدمة في برلين خلال الانتخابات المقررة في 20 سبتمبر.

ويخشى بعض أعضاء “الاتحاد الديمقراطي المسيحي” من أن يقدم سياسيون محافظون في شرق ألمانيا على دعم حكومات محلية يقودها “البديل من أجل ألمانيا” بعد الانتخابات، وهو ما سيشكل خرقًا للتعهد الذي قطعه ميرتس بعدم السماح لليمين المتطرف بالمشاركة في الحكم.
هندريك فوست في دائرة الترشيحات
وبرز اسم هندريك فوست، رئيس وزراء ولاية شمال الراين-وستفاليا، باعتباره أحد أبرز المرشحين المحتملين لخلافة ميرتس في حال تطور سيناريو استبداله.
وأثارت هذه التكهنات اهتمامًا واسعًا في وسائل الإعلام الألمانية، ومنها مجلة “دير شبيجل” التي خصصت غلاف أحد أعدادها الأخيرة للموضوع تحت عنوان “تمرد داخل القصر”.
وأكد سياسيون محافظون، تحدثوا إلى “بوليتيكو” دون الكشف عن هوياتهم، أن نقاشًا حول مستقبل ميرتس يجري بالفعل داخل الحزب، معتبرين أن تنامي الاستياء يعكس تراجع الثقة في قدرته على قيادة البلاد والحفاظ على تماسك الحزب في حال حقق “البديل” تقدمًا كبيرًا في الانتخابات المقبلة.
ومع ذلك، لم يعلن أي من كبار قادة الحزب حتى الآن معارضته لميرتس بشكل علني، فيما وصف أحد السياسيين المحافظين هذه النقاشات بأنها لا تزال “في إطار التكهنات”، مؤكدًا أن نتائج انتخابات سبتمبر ستكون العامل الحاسم في تحديد مستقبل المستشار.
دعوات للحفاظ على الاستقرار
وفي ظل تصاعد التكهنات، صدرت دعوات من شخصيات سياسية إلى ضبط النفس والحفاظ على تماسك المعسكر الديمقراطي.
وقالت كريستيانه هوفمان، المتحدثة السابقة باسم المستشار أولاف شولتز، إن “حزب الاتحاد الذي يمزق نفسه من الداخل لن يفيد أحدًا في المعسكر الديمقراطي”، داعية إلى قدر أكبر من الاستقرار في وقت تواجه فيه أوروبا أزمات متلاحقة.

ولا يزال ميرتس يحظى بدعم قيادات بارزة داخل المعسكر المحافظ، إذ أكد ماركوس زودر، رئيس وزراء ولاية بافاريا وزعيم حزب “الاتحاد الاجتماعي المسيحي”، ثقته في استمرار ميرتس بمنصبه، محذرًا من أن استبداله في هذه المرحلة سيدخل المحافظين في “حالة من الفوضى الشاملة”.
ماذا يحدث إذا رحل ميرتس؟
وفي حال قرر ميرتس الاستقالة طواعية، يمكن للبرلمان انتخاب خلف له بأغلبية الأصوات، وهو السيناريو الأقل اضطرابًا من الناحية السياسية.
أما إذا رفض التنحي، فقد يلجأ معارضوه إلى آلية التصويت البنّاء بحجب الثقة، التي تتيح للبرلمان إسقاط المستشار الحالي وانتخاب خليفة له خلال التصويت نفسه.
لكن استخدام هذه الآلية قد يؤدي إلى تفكك الائتلاف الحاكم، الذي يضم الاتحاد الديمقراطي المسيحي وحليفه البافاري «الاتحاد الاجتماعي المسيحي»، إلى جانب الحزب الديمقراطي الاجتماعي، بما قد يفتح الباب أمام أزمة سياسية جديدة أو انتخابات مبكرة.
تراجع قياسي في شعبية ميرتس
وتكشف استطلاعات الرأي عن حجم الضغوط التي يواجهها المستشار الألماني؛ إذ يتصدر “البديل من أجل ألمانيا” المشهد على المستوى الوطني بمتوسط تأييد يبلغ 28%، مقابل 21% لتحالف ميرتس المحافظ، وفق متوسط استطلاعات جمعته "بوليتيكو".
كما أظهر أحدث استطلاع “دويتشلاند تريند” أن 13% فقط من الألمان راضون عن أداء ميرتس، وهي أدنى نسبة تأييد يحصل عليها مستشار ألماني منذ بدء إجراء الاستطلاع قبل نحو 30 عامًا.
ويرتبط التراجع في شعبية ميرتس باستمرار حالة الاستياء من أداء الاقتصاد الألماني، إلى جانب المخاوف بشأن خططه لإصلاح نظامي التقاعد والرعاية الصحية، وهي إصلاحات يتوقع أن تكون مكلفة وصعبة التنفيذ.
وبينما لا يزال استبدال ميرتس مجرد سيناريو سياسي محتمل، تبدو نتائج انتخابات سبتمبر بمثابة الاختبار الأهم لمستقبله، في ظل صعود “البديل من أجل ألمانيا” وتزايد الضغوط داخل الحزب المحافظ الحاكم.



