كل أمة لها الحق أن تحلم، لكن ليس من حقها أن تعيش على الأحلام، وكل شعب من حقه أن يفخر بتاريخه، لكن ليس من حقه أن يحول هذا التاريخ إلى وسادة ينام عليها، بينما العالم يجري بسرعة الضوء؛ فلا توجد وصفة سرية للنجاح، ولا معجزة تهبط من السماء، ولا طريق مختصر إلى التقدم، الطريق واحد منذ أن بدأت الحضارات، ولن يتغير مهما تغيرت الأزمنة: العلم، والتخطيط، والعمل، والإنتاج، والتكنولوجيا، بهذه الأدوات فقط تبنى الدول، وبهذه الأدوات وحدها تحجز المقاعد المحدودة في عالم لا يعترف إلا بالأقوياء.
إن العالم اليوم لا يخوض سباقا عاديا، بل يعيش أكبر معركة تكنولوجية في التاريخ الحديث، معركة لا تدور حول النفط، ولا حول الحدود، ولا حتى حول الجيوش التقليدية، وإنما حول من يمتلك الذكاء الاصطناعي، ومن يسيطر على المعرفة، ومن يحول الفكرة إلى منتج، والبحث العلمي إلى شركة، والعقل إلى ثروة، هذه هي الحرب الحقيقية التي بدأت بالفعل، ومن يتأخر فيها لن يجد مكانا على خريطة المستقبل.
لم تعد الدول الكبرى تتباهى بعدد مصانعها فقط، بل بعدد براءات الاختراع، وحجم استثماراتها في الذكاء الاصطناعي، وعدد شركات التكنولوجيا العملاقة التي تخرج من جامعاتها ومراكز أبحاثها وأصبحت البيانات هي الثروة الجديدة، والعقول هي النفط الحقيقي، والخوارزميات هي السلاح الذي يعيد رسم موازين القوى في العالم، ولهذا ليس غريبا أن تتركز المنافسة العالمية بين الولايات المتحدة والصين، فالدولتان تدركان أن من يقود ثورة الذكاء الاصطناعي سيقود الاقتصاد العالمي لعقود مقبلة أما الدول أخرى التي كانت حتى وقت قريب نماذج صناعية كبرى، فقد بدأت تشعر بالقلق من اتساع الفجوة في هذا السباق، لأن الزمن لا ينتظر أحدا، ومن يتباطأ اليوم قد يدفع ثمنا باهظا غدا.
لكن ما يثير القلق لدينا ليس ما يحدث في الخارج، وإنما ما يحدث في الداخل، فما زال جزء معتبر من خطابنا العام يعيش خارج العصر، ما زلنا نستهلك وقتا وجهدا في معارك لا تضيف إلى المستقبل شيئا، هناك من ينتظر ضربة حظ تغير حياته، ومن يعتقد أن الحل سيأتي من الماضي، ومن يظن أن استدعاء إمبراطوريات انتهت منذ قرون يمكن أن يبني اقتصادا حديثا، ومن لا يزال أسير شعارات أيديولوجية أثبت الواقع أنها لم تعد تملك إجابات لأسئلة هذا الزمن.
وهناك من يعشق ثقافة الفهلوة، ويصورها على أنها ذكاء، بينما هي في حقيقتها عدو الانضباط والإنتاج، ومن يحول مواقع التواصل الاجتماعي إلى مصانع يومية للإحباط، يردد عبارات اليأس وكأنها حقائق علمية، ويبث الطاقة السلبية باعتبارها نوعا من الحكمة، بينما لا يقدم فكرة، ولا مشروعا، ولا حلا، وكل ذلك ليس سوى دوران في حلقات مفرغة، الأمم لا تنهض بالأمنيات، ولا بالحنين إلى الماضي، وإنما تنهض عندما يذهب الطفل إلى مدرسة تعلمه التفكير لا الحفظ، وعندما يدخل الشاب جامعة تخرجه قادرا على المنافسة، وعندما تتحول مراكز البحث العلمي إلى مصانع للأفكار، وتتحول الأفكار إلى صناعات، ثم إلى صادرات، ثم إلى فرص عمل وثروة وطنية.
السؤال الحقيقي الذي يجب أن يشغلنا ليس: ماذا قال فلان؟ أو ماذا كتب؟ وإنما: ماذا ننتج؟ ماذا نخترع؟ ماذا نضيف؟ وما القيمة التي نستطيع أن نقدمها للعالم؟ هذه هي الأسئلة التي تصنع المستقبل.
لذلك فإن بناء الإنسان لم يعد شعارا سياسيا، بل أصبح قضية أمن قومي، الاستثمار في التعليم، والبحث العلمي، والابتكار، وريادة الأعمال، والتكنولوجيا، لم يعد رفاهية، وإنما ضرورة وجود، والدولة التي لا تمتلك عقولا قادرة على إنتاج المعرفة، ستظل مستهلكة لما ينتجه الآخرون، مهما امتلكت من موارد، و مصر بدأت خلال السنوات الأخيرة تتحرك في هذا الاتجاه، من خلال التوسع في الجامعات التكنولوجية، ودعم التحول الرقمي، والاهتمام بالبنية التحتية الرقمية، وتشجيع الابتكار وريادة الأعمال لكن نجاح هذه الجهود يحتاج إلى شريك لا يقل أهمية عن الدولة، وهو المجتمع نفسه.
إن المجتمع الذي يحترم العلم أكثر من الشهرة، ويحتفي بالمبتكر أكثر من المشهور، ويقدر الباحث أكثر من صاحب الضجيج، هو المجتمع الذي يستطيع أن يربح سباق المستقبل، أما إذا بقينا أسرى ثقافة الاستهلاك، واللهاث وراء الترند، والبحث عن المكسب السريع، والهروب من قيمة العمل والإنتاج، فلن يغير واقعنا أي شعار، ولن تنقذنا أي أمنية.
العالم لا يمنح فرصا مجانية، ولا يوزع مقاعد المستقبل بالمجاملة، هناك منافسة شرسة، وكل دولة تحاول أن تؤمن مكانها في النظام العالمي الجديد، ومن يتأخر اليوم لن يجد من ينتظره غدا، و أخطر ما يمكن أن نفعله هو أن ننشغل بمعارك وهمية بينما المعركة الحقيقية تدور في معامل الأبحاث، وفي شركات التكنولوجيا، وفي الجامعات، وفي مراكز الابتكار، هناك تكتب خرائط النفوذ الجديدة، وهناك تصنع الاقتصادات الكبرى، وهناك تتحدد مكانة الدول.
الخلاصة بسيطة، لكنها حاسمة: المستقبل لن يكون للأكثر ضجيجا، ولا للأكثر حديثا عن الماضي، ولا للأكثر شكوى من الواقع، وإنما للأكثر علما، والأفضل تخطيطا، والأكثر قدرة على العمل والإنتاج والابتكار، هذه هي القاعدة التي لم تتغير منذ فجر الحضارة، ولن تتغير مهما تبدلت الأزمنة ومن أراد أن يكون له مكان تحت شمس المستقبل، فعليه أن يحمل كتابا، ويتقن مهارة، وينتج فكرة، ويضيف قيمة أما غير ذلك، فليس إلا إضاعة للوقت في عالم لا ينتظر المتأخرين.