عاجل

سموتريتش يخوض معركة البقاء.. وخلافات التجنيد تهدد حليفه نتنياهو

أرشيفية
أرشيفية

يجد وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش نفسه أمام اختبار سياسي بالغ الصعوبة مع اقتراب الانتخابات المقررة في أكتوبر، بعدما تحول خلاف حول تجنيد اليهود المتزمتين دينيا إلى مصدر غضب داخل قاعدته الانتخابية، وبدأ يهدد مكانة أحد أبرز أركان اليمين الإسرائيلي المتطرف.

ولا تقتصر تداعيات الأزمة على مستقبل سموتريتش السياسي، إذ تكشف في الوقت ذاته عن حجم التحديات التي تنتظر رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو في إدارة ائتلاف حكومي شديد التوتر، قبل انتخابات 27 أكتوبر، التي ستكون الأولى في إسرائيل منذ اندلاع حرب غزة.

وتكتسب المواجهة أهمية خاصة بالنسبة إلى سموتريتش، البالغ من العمر 46 عاما، والذي يقود حزب "الصهيونية الدينية"، أحد أبرز أحزاب اليمين المتطرف في إسرائيل، في وقت تشير فيه استطلاعات الرأي إلى أن الحزب قد يواجه صعوبة في تجاوز نسبة الحسم اللازمة لدخول الكنيست.

نتنياهو سيلتقي سموتريتش وبن غفير لمناقشة احتمال استئناف الحرب على غزة – ميدل إيست مونيتور

خلاف التجنيد يقلب حسابات سموتريتش

لطالما قدم سموتريتش نفسه باعتباره أحد أبرز المدافعين عن المشروع الاستيطاني في الضفة الغربية، وحظي بدعم واسع بين المستوطنين الذين يرون فيه ممثلاً سياسياً لمواقفهم القومية والدينية.

لكن موقفه من مشروع قانون كان من شأنه منع اعتقال اليهود المتزمتين دينياً الذين يرفضون الخدمة العسكرية أثار غضب بعض مؤيديه، الذين يرون أن قضية التجنيد أصبحت مسألة وجودية بالنسبة إلى إسرائيل بعد الحرب التي اندلعت عقب هجمات السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023.

وكان سموتريتش قد صوت الشهر الماضي لصالح القانون، رغم تأكيده في الوقت ذاته ضرورة تجنيد اليهود المتزمتين دينيا في الجيش.

خطر التعامل مع سموتريتش كحالة شاذة

وأوقفت المحكمة العليا الإسرائيلية مشروع القانون الذي أقره الكنيست، بعدما كان من شأنه منع اعتقال المتزمتين دينياً الذين يتجنبون التجنيد.

وتعود جذور الأزمة إلى حكم أصدرته المحكمة العليا في عام 2024، قضى بعدم قانونية إعفاء اليهود المتزمتين دينيا من الخدمة العسكرية بهدف التفرغ لدراسة الكتاب المقدس.

ومنذ ذلك الحين، يحاول ائتلاف نتنياهو تجنب الانفجار بسبب هذه القضية، إذ تضم الحكومة أحزاباً من التيار الصهيوني الديني إلى جانب أحزاب تمثل اليهود المتزمتين دينيا، في ظل اختلاف جوهري بين الطرفين بشأن الخدمة العسكرية.

"قرار مدروس" لإبقاء الائتلاف

يقول سموتريتش إنه يؤيد إلزام اليهود المتزمتين دينيا بالخدمة العسكرية، لكنه يعارض اعتقال من يرفضون التجنيد، محذرا من أن مثل هذه الخطوة قد تؤدي إلى تفجير صراع داخلي بين اليهود.

ودافع عن موقفه خلال فعالية للمستوطنين الشهر الماضي، حيث قاطعه الحاضرون بالهتاف بأعداد الجنود الإسرائيليين الذين قتلوا خلال الحرب، ورد سموتريتش قائلاً إن الاعتقالات لن تدفع اليهود المتزمتين دينياً إلى الالتحاق بالجيش، وإنما ستؤدي إلى "جعل اليهود يتقاتلون فيما بينهم في الشوارع".

سموتريتش ترفض التحذيرات الخطيرة التي أطلقها كبار مسؤولي وزارة الخزانة - غلوبس

وأكد أن الهدف يجب أن يكون تجنيد المتزمتين دينيا، ولكن عبر عملية تقوم على التوافق.

وترى جايل تالشير، أستاذة العلوم السياسية في الجامعة العبرية في القدس، أن موقف سموتريتش لم يكن عفويا، بل يمثل قرارا سياسيا مدروساً لتجنب اتخاذ موقف أكثر صرامة تجاه إعفاء المتزمتين دينيا من الخدمة.

وبحسب تالشير، فإن اتخاذ موقف حازم ضد الإعفاء كان سيضع سموتريتش أمام خيار صعب يتمثل في مغادرة ائتلاف نتنياهو، وهو ما قد يهدد أهدافه السياسية داخل الحكومة.

سموتريتش.. مستوطن منذ الولادة

سموتريتش مستوطن منذ ولادته، ويعيش في الضفة الغربية المحتلة، حيث نشأ في مستوطنة بيت إيل، ويقود حزب "الصهيونية الدينية"، الذي يعارض إقامة دولة فلسطينية، ويتمسك بفكرة أن لليهود حقا في الأراضي الواقعة بين نهر الأردن والبحر المتوسط، مستنداً في ذلك إلى المرجعية الدينية للتوراة.

وخلال وجوده في الحكومة، استغل سموتريتش موقعه السياسي للدفع باتجاه توسيع المستوطنات في الضفة الغربية، وأصبح واحداً من أبرز الأصوات المؤيدة للاستيطان.

أستراليا تفرض عقوبات على الوزيرين اليمينيين بتسلئيل سموتريتش وإيتامار بن جفير في إسرائيل | الاسترالي

كما تعرض لانتقادات دولية واسعة، وفرضت عدة دول غربية قيودا على دخوله أراضيها، على خلفية اتهامات بدعم عنف المستوطنين ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية، وهي اتهامات ينفيها سموتريتش والحكومة الإسرائيلية.

ورغم أن خطابه يعتبر أقل حدة من خطاب وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، الذي يمثل الوجه الآخر البارز لليمين الإسرائيلي المتطرف داخل الحكومة، فإن سموتريتش ظل يحظى بتأييد واسع داخل أوساط الحركة الاستيطانية.

وقال حاييم سيلبرشتاين، أحد سكان مستوطنة بيت إيل التي نشأ فيها سموتريتش، إن إنجازات الوزير كانت "استثنائية"، مشيرا إلى أن المباني السكنية الجديدة في المستوطنة تعكس، من وجهة نظره، حجم التوسع الذي دعمه سموتريتش.

مناصروه ينقلبون عليه

لكن هذا التأييد بدأ يتراجع لدى بعض الناخبين الذين صوتوا لصالح سموتريتش وحزبه في الانتخابات السابقة.

وقال ساريل هالبرين، البالغ من العمر 30 عاما، من مستوطنة ألون شيفوت في الضفة الغربية، إنه صوت لصالح حزب "الصهيونية الدينية" في انتخابات 2022، لكنه لم يعد يعرف إلى أي جهة سياسية ينتمي، وأضاف: "ليس لدي بيت سياسي الآن".

كان أسلاف بتسلئيل سموتريتش سيقولون له إنه يكذب | الصراع الإسرائيلي الفلسطيني | الجزيرة

ويعتبر هالبرين أن استمرار إعفاء المتزمتين دينيا من الخدمة العسكرية يهدد قدرة إسرائيل على مواصلة الحرب، قائلا إن استمرار الوضع لسنوات سيؤدي إلى عدم وجود جنود احتياط أو جيش قادر على حماية الدولة.

وتكشف هذه المواقف عن معضلة تواجه سموتريتش داخل قاعدته نفسها، إذ إن جزءاً من أنصاره يرى أن الخدمة العسكرية أصبحت واجباً وطنياً لا يمكن استثناء فئة كبيرة منه، خصوصاً بعد الحرب التي فرضت ضغوطاً غير مسبوقة على قوات الاحتياط.

"لم يعد يمثل قيم الصهيونية الدينية"

ويذهب بعض مؤيدي سموتريتش السابقين إلى أبعد من مجرد انتقاد موقفه، معتبرين أنه ابتعد عن المبادئ التي قام عليها التيار الذي يمثله.

وقالت شفوت رعنان، وهي محامية تبلغ 33 عاما نشأت في الضفة الغربية، ونشطت في المطالبة بإنهاء إعفاء المتزمتين دينياً من الخدمة العسكرية، إن سموتريتش "لم يعد يمثل قيم الصهيونية الدينية"، واتهمته بأنه "باع هذا البلد لليهود المتزمتين دينياً".

وتكتسب انتقادات رعنان أهمية خاصة في ظل مشاركتها الشخصية في تداعيات الحرب، إذ خدم زوجها مئات الأيام في قوات الاحتياط منذ هجمات السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 التي نفذتها حركة حماس على إسرائيل، وأعقبتها الحرب في قطاع غزة.

وقالت إن العديد من الأسر الإسرائيلية أصبحت تنهار تحت وطأة الضغوط الناتجة عن استمرار خدمة الاحتياط.

بريطانيا تفرض عقوبات على وزراء إسرائيليين من اليمين المتطرف بتهمة "التحريض على العنف" ضد الفلسطينيين - بي بي سي نيوز

لماذا لا يواجه بن غفير الأزمة نفسها؟

في المقابل، لا يبدو أن القضية تضع وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير أمام المشكلة الانتخابية نفسها، وترى تالشير أن قاعدة بن جفير الانتخابية أقل اهتماماً بقضية إعفاء اليهود المتزمتين دينياً من الخدمة العسكرية، مقارنة بقاعدة سموتريتش، التي تجمع بين النزعة القومية والدينية وبين التزام أكبر بمفهوم الخدمة العسكرية.

ويكشف ذلك عن اختلاف مهم داخل اليمين الإسرائيلي نفسه، رغم التقارب الكبير بين سموتريتش وبن جفير في قضايا الأمن والاستيطان والفلسطينيين.

فكلاهما يمثل التيار اليميني المتطرف داخل حكومة نتنياهو، لكن لكل منهما قاعدة انتخابية وحسابات سياسية مختلفة.

7 مقاعد فقط.. وعتبة الحسم تلاحق الحزب

يمتلك حزب "الصهيونية الدينية" حالياً سبعة مقاعد من أصل 120 مقعدا في الكنيست، وكان سموتريتش قد خاض انتخابات 2022 على قائمة مشتركة مع حزب بن جفير، وحصل الحزبان معا على 14 مقعدا، لكن المعطيات الحالية تبدو أكثر صعوبة بالنسبة إلى سموتريتش، إذ تشير أحدث استطلاعات الرأي إلى أن "الصهيونية الدينية" قد تواجه صعوبة في تجاوز نسبة الحسم المطلوبة لدخول الكنيست، والتي تبلغ 3.5% من الأصوات.

وفي ظل نظام انتخابي يجعل كل مقعد مؤثراً في عملية تشكيل الحكومة، فإن فشل حزب سموتريتش في تجاوز العتبة الانتخابية قد تكون له تداعيات تتجاوز مستقبله الشخصي، لتؤثر مباشرة في قدرة نتنياهو على تشكيل ائتلاف يميني بعد انتخابات أكتوبر/تشرين الأول.

نتنياهو أمام معادلة صعبة

ومع اقتراب موعد الانتخابات، يجد نتنياهو نفسه أمام معادلة معقدة، فهو يحتاج إلى الحفاظ على تحالفاته مع القوى اليمينية والدينية التي تشكل أساس ائتلافه، لكنه في الوقت نفسه يحتاج إلى منع الخلافات بينها من التحول إلى أزمة انتخابية تؤدي إلى خسارة مقاعد حاسمة.

وترى تالشير أن نتنياهو قد يسعى مرة أخرى إلى ترتيب اندماج بين أحزاب اليمين المتطرف، بهدف ضمان تجاوز سموتريتش وحزبه نسبة الحسم، والحيلولة دون ضياع أصوات اليمين.

ويكتسب هذا الخيار أهمية أكبر مع اقتراب انتخابات 27 أكتوبر/تشرين الأول، إذ قد يكون لكل مقعد برلماني وزن حاسم في تحديد هوية الحكومة المقبلة.

مع توجه المنتخب الإسرائيلي إلى قطر، يعارض سموتريتش الصفقة، ويقول رئيس الوزراء إنه موقف متشدد | صحيفة تايمز أوف إسرائيل

وبذلك، وفقا لرويترز، لا تبدو أزمة سموتريتش مجرد خلاف حول قانون التجنيد أو مستقبل الإعفاء الممنوح لليهود المتزمتين دينيا، بل تحولت إلى اختبار مزدوج: الأول لقدرته على الحفاظ على قاعدته السياسية، والثاني لقدرة نتنياهو على إبقاء ائتلافه المتنازع عليه متماسكا حتى موعد الانتخابات.

وبينما يخشى مؤيدون سابقون لسموتريتش من أن يؤدي استمرار إعفاء المتزمتين دينيا إلى إنهاك الجيش وقوات الاحتياط، يخشى الوزير نفسه أن يؤدي التصعيد في هذه القضية إلى تفجير الائتلاف الذي يمنحه النفوذ اللازم لتنفيذ أجندته الاستيطانية.

وفي هذه المعادلة، وبحسب وكالة رويترز، قد يجد سموتريتش نفسه مضطرا للاختيار بين إرضاء جزء من قاعدته الانتخابية التي تطالب بالمساواة في الخدمة العسكرية، والحفاظ على التحالف مع الأحزاب الدينية المتزمتة التي يحتاج إليها نتنياهو لاستمرار حكومته.

تم نسخ الرابط