خبير أثري: قدماء المصريين اعتبروا "جودة الري" علامة على قوة الحاكم وسيطرته
تعد الزراعة هي الركيزة الرئيسية في بناء الحضارات، فلا حضارة دون استقرار، ولا استقرار دون زراعة، وقد برع المصري القديم في فنون الزراعة وكل ما يعين عليها من أدوات، فقد برع في رصد الأفلاك وحركة النجوم والشمس والقمر التي تحدد الفصول بدقة، وكذلك برع في فنون الري وما يساعد على رعاية مزروعاته.
ومن ناحيته علق بسام الشماع المرشد السياحي والمؤرخ المعروف وعضو الآيكوم العالمية، قائلًا: "قبل غزو الصحراء في العصور الحديثة، وقبل بناء السد العالي مشروع القرن العشرين المصري المؤثر، ومنذ آلاف السنين وحتى الآن تعتبر المياة هي شهيق وزفير وأنفاس رئة المصريين، كانت الحياة اليومية بكل تفاصيلها معتمدة على المياة والنهر والمصارف والمجاري المائية سواء الطبيعية منها أو التي حفرها المصري نفسه لأغراض الري و الإستفادة منها، وقد درس العلماء المياة والري عند المصريين القدماء فوجدوا أن
في كل صيف، بين شهري مايو وسبتمبر، كان النهر يفيض تدريجيًا حتى يغمر ضفافه ويغمر السهول المحيطة، وعندما تنحسر المياه، تترك وراءها طبقات من الرواسب الخصبة من كميات كبيرة و وفيرة من الطين الغني التي كانت ضرورية لزراعة المحاصيل لإطعام الشعب، فنظم تقويمة و ربطه بالأعمال الزراعية و النشاطات العملية اليومية .
وتابع الشماع، "ابتكر المصريون القدماء أداة تُعرف باسم مقياس النيل او النيلومتر والتي طورها المسلمين بعدهم استخدموها حتى بناء السد العالي، الأمثلة موجودة حتى الآن في جزيرة الروضة بالمنيل وأيضا في الجانب الشرقي لجزيرة ألفنتين بأسوان، وتقول جامعة نوتنجهام في بحث جاد: "تطورت أجهزة النيلومتر كوسيلة مقدسة لمراقبة تغيرات النهر والتواصل بشأنها وفهمها".
أهمية الماء في مصر القديمة
يوجد نصوص هامة في هذا المضمار، ومنها بردية "نو" المحفوظة بالمتحف البريطاني تحت رقم 10477، ومن المفترض أن يكون مكانها في متحف الري في العاصمة الإدارية بمصر، وفي الورقة 12 من البردية يوجد فصل إخماد الهواء والسيطرة على الماء في العالم السفلي، يقول نو، وكانت وظيفته رئيس القصر الملكي والمستشار الأعلى، منتصرًا: “السلام عليك يا حاب-أور، معبود السماء، باسمك يا 'قاسم السماء'، هب لي أن أسيطر على الماء”، وهنا تظهر أهمية الاستحواذ على الماء والتحكم فيها لصالح المصري منذ الآف السنين حيث يتمنى نو من المعبود أن يجعله مسيطر على الماء طوال الحياة الأبدية.
وفي أثر هام آخر وعلى رأس صولجان الملك العقرب، نرى الملك ممسكًا بفأس، يحفر نظام قنوات كانت هذه من وظائف الملك المصري القديم، أن يضمن سريان المياة بشكل كافي و وفير للمصريين، وهي مسؤوليته المستمرة.
الحفاظ على الماء والقدرة على الري
تُستَمد شعبية الملك من قدرته على طمأنة المصريين بشأن سيطرتهم على الماء من خلال تدفق نهر النيل،
وروافد وحفر القنوات والترع والمصارف المائية المفيدة، والتحكم والاستفادة من فيضان النيل في موسمه المسمى بالهيروغليفية "آخت"، والملك كان مسؤولي عن وفرة المياه، كان هذا العمل الملكي يُؤكد باستمرار لطمأنة الشعب.
و قد لعبت، كما اكد الباحثين والدارسين المعتمدين، هذه الطقوس العملية المرتبطة بالطقوس الدينية المعنية بالمياة والنهر دورًا هامًا في التوحيد والترابط الاجتماعي والسياسي بمصر، كان الماء السبب الرئيسي في بقاء الأمة المصرية كيانًا واحدًا متماسكًا لا يتجزأ على أرض شاسعة، وخصوصا شريان النيل الذي لا تستطيع ايقافة أو قطعة أو تجزئته، فأصبح نهر النيل وتد خيمة الاستدامة الحضارية والعمود الفقاري الذي من غيرة كان من الصعب على الحضارة المصرية أن تبرز و تتألق وتتعملق وتعلم العالم.
الفيضان
كان الفيضان الخصيب، المحمل بالطمي الغني، بشرى سارة جلبها حاعبي، معبود ديناميكية حركة المياة، إلى مصر من الناحية الدينية، وأطلق المصريون على هذا الحدث اسم "قدوم حاعبي"، معبود الوفرة والخصوبة.و أكبر تمثال صُنع له في مصر القديمة، حتى الآن، هو الأن معروض بالمتحف المصري الكبير بجانب حوضي نباتات البردي واللوتس في الطريق لمتحف مركب خوفو.
لعبت الازدواجية والسيمترية دورًا هام و ضروري في معتقدات المصريين القدماء، وجسّد حاعبي هذا المفهوم، غالبًا ما كان يُصوَّر على هيئة معبودين توأمين: حاب-محت، معبود النيل الشمالي، يرتدي ورق البردي، ويرتبط بمصر السفلى، وهو قرين المعبودة وادجيت، معبودة الكوبرا؛ وحاب-ريست، معبود النيل الجنوبي، يرتدي زهرة اللوتس، ويرتبط بمصر العليا، والمعبودة نخبت، معبودة النسر، كما كان يُصوَّر حاعبي أحيانًا مع إوزتين أو حاملًا إناءين، رمزًا لرافدي النهر والوحدة السياسية بين البلدين.
وبصفته معبود مرتبط بالفيضان، أشرف حاعبي على موسم "أخت"، حين يفيض النيل وينشر خيراته في أرجاء الأرض. لقد تجسد هذا التجدد السنوي بشكلٍ بديع في "ترنيمة حاعبي"، وهي عملٌ مجهول المؤلف أُلِّف خلال عصر الدولة الوسطى، يُشيد بطلة المعبود المؤثرة : "عندما يشرق، تفرح الأرض، وتبتهج كل بطن".
ويقول الدارسين أن المصريون القدماء اعتقدوا أسطوريا أن مسكن حاعبي يقع عند منبع النيل الغامض، الذي كان يُعتقد أنه مخفي في صعيد و جنوب مصر، وتشير النصوص القديمة إلى أن النهر كان ينبع بين جبلين أسطوريين، هما قير حاعبي (كهف حاعبي) ومو حاعبي (ماء حاعبي)، بالقرب من جزيرتي فيلة وإلفنتين.
في القرن الثاني الميلادي، اقترح بتولميس [بطليموس]، الجغرافي من الإسكندرية، أن منبع النيل يقع في أقصى الجنوب، في بحيرتين كبيرتين تقعان بالقرب من جبال لونا مونتيس (جبال القمر)، وهي سلسلة جبال أسطورية وضعها في وسط أفريقيا.
وكان يعتقد أن هاتين البحيرتين تُغذيان النيل عبر سلسلة من الروافد، على الرغم من أن خرائط بطليموس استندت إلى روايات منقولة عن التجار والرحالة وغيرهم من الجغرافيين، إلا أنه كان دقيقًا بشكلٍ لافت: ففي الواقع، لنهر النيل منابع متعددة، من بينها ثلاثة روافد رئيسية: النيل الأزرق، والنيل الأبيض، ونهر عطبرة، ومع ذلك، ظلت أفكار بطليموس سائدة لآلاف السنين.
ومن العجيب انه لم يُنظر إلى الغرق في النيل على أنه نهاية مأساوية، بل كنوع من العبور الإلهي، وكثيرًا ما كان يُربط من غرقوا في النهر بأوزيريس [وسير] ويُبجّلون كآلهة، ومن الأمثلة الشهيرة على ذلك أنطينوس، الحبيب الشاب للإمبراطور الروماني هادريان، الذي غرق أثناء رحلتهما في مصر عام 130 ميلادي، فحزن هادريان حزنًا شديدًا، وأعلن أنطينوس معبودا، وأمر بصنع تماثيل له كشخصية مقدسة، وأسس مدينة جديدة، هي أنتينوبوليس، بالقرب من موقع وفاته.
وكان يعم البؤس و الحزن عندما لم يأتِ الفيضان، قال نص قديم: “كنتُ في حداد على عرشي، وكان أهل القصر في حزن، وكان قلبي في كرب شديد، لأن الفيضان لم يأتِ في الوقت المناسب طوال سبع سنوات. كان الحبوب شحيحة، والحبوب جافة، وكل أنواع الطعام نادرة”
وقد استخدم القدماء أداة الري العبقرية الشادوف للري ولرفع المياة، وكان يُستخدم الشادوف لرفع منسوب مياه النيل، وكانت الدولة تُدير إمدادات المياه للسكان بالكامل، من خلال الإدارة المحلية التي كانت مسؤولة عن جلب المياه، عادةً من المناطق الريفية، إلى المدن والبلدات، وإعادة توزيعها على السكان.
ومن أقدم الشواهد على ذلك لوحة حجرية جيرية نُقش عليها مرسوم الملك بيبي الأول (حوالي 2276-2228 ق.م) والذي يذكر موقع ونوع المنشآت التي كانت تُستمد منها المياه لمدن الأهرامات في سنفرو بدهشور:
"3iw wḏ.n ḥm(.i):nfr r ip mrw šwšdwt ẖnwt nhwtm niwty iptn" في عهد الملك سنوسرت الأول (1962-1928 قبل الميلاد)، دوّن رجل يُدعى منتو ويسر ثروته الشخصية، بالإضافة إلى الأعمال التي قام بها لمدينته: "...ir.n.j swrt n njwt(.j)...". أي: لقد أنشأتُ مصدرًا للماء لمدينتي.
