لماذا دعمت واشنطن الين الياباني؟.. حسابات مالية وسياسية وراء التدخل المشترك
في خطوة نادرة هي الأولى من نوعها منذ أكثر من عقد، تدخلت الولايات المتحدة واليابان بشكل مشترك لدعم الين الياباني في سوق الصرف، بعد تراجعه إلى أدنى مستوياته أمام الدولار منذ نحو أربعة عقود، وسط اضطرابات اقتصادية وتصاعد التوترات الجيوسياسية.
ووصف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التدخل بأنه "بادرة صداقة" تجاه اليابان، مؤكدا أن واشنطن تقف إلى جانب حليفتها، فيما أوضحت طوكيو أن الهدف من الخطوة هو الحد من التقلبات الحادة في سوق العملات.
تدخل أمريكي يوقف هبوط الين
قال ترامب، في تصريحات للصحفيين على متن الطائرة الرئاسية "إير فورس وان"، إن الين الياباني أصبح "ضعيفاً"، مضيفاً أن اليابان طلبت المساعدة، وأن الولايات المتحدة استجابت لذلك.
وأكدت التصريحات أن واشنطن وطوكيو نفذتا، الجمعة الماضية، تدخلا منسقاً لشراء الين في سوق الصرف الأجنبي، في محاولة لوقف تراجعه المستمر خلال الأشهر الأخيرة.
ومن جانبها، أعلنت وزيرة المالية اليابانية ساتسوكي كاتاياما، الاثنين، أن التدخل المشترك أسهم في مواجهة "التقلبات المفرطة والتحركات غير المنظمة" في سعر صرف الين.
وأضافت أن وزارة المالية اليابانية تواصل التنسيق مع وزارة الخزانة الأمريكية، مؤكدة أن البلدين مستعدان لتنفيذ تدخلات إضافية إذا دعت الحاجة.
حماية أكبر ممول للدين الأمريكي
يرى محللون أن أحد أبرز دوافع واشنطن يتمثل في حماية استقرار سوق سندات الخزانة الأمريكية، إذ تعد اليابان أكبر مالك أجنبي للدين الفيدرالي الأمريكي.
وبحسب بيانات الكونجرس الأمريكي حتى ديسمبر 2025، تمتلك اليابان نحو 1.2 تريليون دولار من سندات وأذون الخزانة الأمريكية، بما يمثل نحو 12.8% من إجمالي الاستثمارات الأجنبية في الدين الأمريكي، متقدمة على المملكة المتحدة والصين.
ويخشى صناع القرار في واشنطن من أن استمرار ضعف الين قد يدفع طوكيو إلى بيع جزء من هذه السندات للحصول على سيولة دولارية للدفاع عن عملتها، وهو ما قد يؤدي إلى ارتفاع عوائد السندات الأمريكية واضطرابات في أسواق المال.
ولهذا، فعّلت الولايات المتحدة ووسعت برنامج تسهيلات إعادة الشراء التابع للاحتياطي الفيدرالي، بما يسمح لليابان بالحصول على سيولة بالدولار بضمان سنداتها دون الحاجة إلى بيعها في الأسواق.
منع عودة رؤوس الأموال إلى اليابان
يهدف التدخل أيضاً إلى الحد من انتقال الاستثمارات اليابانية من الولايات المتحدة إلى السوق المحلية، فاستقرار الين يقلل الحاجة إلى إعادة الأموال إلى الداخل الياباني، كما يمنع المستثمرين الذين اقترضوا بالين منخفض التكلفة للاستثمار في الخارج من تصفية مراكزهم المالية والعودة إلى اليابان، وهي عملية قد تؤثر سلباً في الأسواق الأمريكية.
وفي الوقت نفسه، أدى انخفاض قيمة الين إلى جعل الأصول والشركات اليابانية أكثر جاذبية للمستثمرين الأجانب، وهو ما قد يدفع رؤوس الأموال العالمية إلى التحول نحو السوق اليابانية إذا استمر ضعف العملة.
السندات الأمريكية كورقة ضغط
كما يحمل التدخل بعداً استراتيجياً يتعلق بعلاقات البلدين التجارية، ففي مايو 2025، ألمح وزير المالية الياباني إلى أن حيازات بلاده الضخمة من سندات الخزانة الأمريكية يمكن استخدامها كورقة ضغط خلال المفاوضات التجارية مع واشنطن.
ورغم أن المسؤول الياباني لم يهدد صراحة ببيع السندات، فإن تصريحاته أثارت مخاوف في الأسواق العالمية، نظراً إلى المكانة التي تحتلها اليابان كأكبر دائن أجنبي للحكومة الأمريكية.
إلى جانب الاعتبارات الاقتصادية، يحمل التدخل المشترك رسائل سياسية واضحة بشأن متانة التحالف بين واشنطن وطوكيو.
ووصف ترامب الخطوة بأنها "بادرة صداقة"، معتبراً أنها تعكس استعداد الولايات المتحدة لدعم أحد أهم حلفائها في آسيا، وتؤكد قوة العلاقات السياسية والاقتصادية بين البلدين.
لماذا تراجع الين؟
يعزو اقتصاديون ضعف الين إلى عدة عوامل، أبرزها:
- اتساع الفجوة بين أسعار الفائدة الأمريكية واليابانية، إذ لا تزال الفائدة في اليابان قريبة من الصفر، ما يدفع المستثمرين إلى تفضيل الدولار ذي العائد الأعلى.
- ارتفاع أسعار النفط والطاقة نتيجة التوترات الجيوسياسية، وهو ما يضغط على الاقتصاد الياباني المعتمد بشكل كبير على واردات الطاقة.
- استمرار الضغوط التضخمية وتأخر بنك اليابان في تشديد السياسة النقدية بما يتناسب مع ارتفاع الأسعار.
- السياسات الاقتصادية التوسعية التي تبنتها الحكومة اليابانية، والتي أسهمت في زيادة الضغوط على العملة.
هل ينجح التدخل في إنقاذ الين؟
أسهم التدخل الأمريكي الياباني في وقف التراجع الحاد للين، وارتفعت العملة اليابانية بنحو 5% لتتداول في نطاق يتراوح بين 155 و157 يناً مقابل الدولار.
إلا أن محللين يرون أن هذا التحسن قد يكون مؤقتا، مؤكدين أن التدخل المباشر في سوق الصرف لا يمثل حلا دائما، وأن استقرار الين على المدى الطويل سيظل مرتبطاً بتغيرات السياسة النقدية اليابانية، واتجاهات أسعار الفائدة الأمريكية، وتطورات الاقتصاد العالمي.



