عاجل

بعد زلزال مصر.. خبير يحذر: 90% من الضحايا يسقطون بسبب المباني لا قوة الهزة|خاص

الدكتور حمدي عرفة،
الدكتور حمدي عرفة، أستاذ الإدارة الحكومية والمحلية

أكد الدكتور حمدي عرفة، أستاذ الإدارة الحكومية والمحلية واستشاري البلديات الدولية، أن الهزة الأرضية التي شعر بها ملايين المواطنين في مصر خلال الساعات الأخيرة تمثل جرس إنذار يستوجب إعادة بناء منظومة إدارة مخاطر الكوارث الطبيعية، مشددًا على أن المحافظات والبلديات تمثل خط الدفاع الأول لحماية الأرواح والعقارات، وأن الاستثمار في الوقاية يظل أقل تكلفة بكثير من إعادة الإعمار بعد وقوع الكوارث.

الهزة الأرضية الأخيرة ليست مجرد ظاهرة جيولوجية عابرة

وقال عرفة، في تصريحات لـ"نيوز رووم" إن الهزة الأرضية الأخيرة ليست مجرد ظاهرة جيولوجية عابرة، وإنما رسالة واضحة تستدعي مراجعة سياسات إدارة المخاطر في ظل النشاط الزلزالي الذي تشهده منطقة شرق البحر المتوسط، موضحًا أن مصر تقع بالقرب من عدد من المناطق الزلزالية النشطة، أبرزها قوس هيلين جنوب جزيرة كريت، ومنطقة شرق البحر المتوسط، وخليج العقبة، والبحر الأحمر، وخليج السويس، وهو ما يجعل الشعور بهزات أرضية أمرًا متوقعًا من الناحية العلمية، لكنه لا يعني بالضرورة وجود خطر دائم، إذ يرتبط حجم التأثير بقوة الزلزال وعمقه وبعده عن المناطق المأهولة وطبيعة التربة وجودة المباني.

وأوضح أن الدراسات العلمية تؤكد أن الزلازل لا تقتل البشر بصورة مباشرة، وإنما يؤدي انهيار المباني إلى سقوط غالبية الضحايا، مشيرًا إلى أن نحو 90% من ضحايا الزلازل عالميًا يسقطون نتيجة انهيار منشآت غير مطابقة للأكواد الهندسية أو مبانٍ شُيدت دون تراخيص أو بإضافات مخالفة، وهو ما يجعل الرقابة على البناء مسؤولية مباشرة تقع على عاتق المحليات والبلديات، باعتبارها الجهة الأولى المسؤولة عن تطبيق اشتراطات البناء وحماية الأرواح.

وأضاف أن العالم يشهد سنويًا ما يقرب من 500 ألف زلزال، يتم رصد نحو 100 ألف منها بواسطة الشبكات الزلزالية، بينما يشعر الإنسان بحوالي 20 ألف هزة فقط، ولا يتحول إلا عدد محدود منها إلى كوارث كبرى، إلا أن الخسائر تتضاعف عندما تقع الزلازل في مناطق ذات كثافات سكانية مرتفعة أو تنتشر فيها المباني المخالفة وغير المطابقة للمواصفات.

مصر تمتلك منظومة متقدمة لرصد الزلازل 

وأشار إلى أن مصر تمتلك منظومة متقدمة لرصد الزلازل من خلال الشبكة القومية التابعة للمعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية، إلا أن التحدي الحقيقي لا يكمن في الرصد فقط، وإنما في رفع جاهزية المحافظات والوحدات المحلية، ومراجعة سلامة المباني، وتحديث خطط الإخلاء، وتعزيز وعي المواطنين، لأن إدارة الكوارث أصبحت تعتمد على الوقاية والاستعداد المسبق أكثر من اعتمادها على سرعة الاستجابة بعد وقوع الأزمة.

وأكد عرفة أن الأمم المتحدة، من خلال إطار سنداي للحد من مخاطر الكوارث للفترة من 2015 إلى 2030، دعت إلى التحول من مفهوم إدارة الكوارث إلى إدارة مخاطر الكوارث، عبر الاستثمار في الوقاية، وتقييم المخاطر، وتحديث التشريعات، وتدعيم المباني، وتطوير نظم الإنذار المبكر، وإعداد المجتمعات المحلية للتعامل مع الكوارث قبل وقوعها، وهو ما يتوافق أيضًا مع الهدف الحادي عشر من أهداف التنمية المستدامة الخاص ببناء مدن ومستوطنات آمنة وقادرة على الصمود.

وأوضح أن المحافظات والوحدات المحلية مطالبة بإعداد خرائط للمناطق الأكثر عرضة للمخاطر، وحصر العقارات الآيلة للسقوط، ومراجعة تراخيص البناء، والتأكد من الالتزام بالكود المصري لتصميم وتنفيذ المنشآت المقاومة للزلازل، وإنشاء قواعد بيانات رقمية محدثة للعقارات والمنشآت الحيوية وربطها بالشبكة القومية للطوارئ والسلامة العامة، بما يسمح بسرعة اتخاذ القرار عند وقوع أي أزمة.

ضرورة التطبيق الصارم لقانون البناء رقم 119 لسنة 2008

وشدد على ضرورة التطبيق الصارم لقانون البناء رقم 119 لسنة 2008، مؤكدًا أن وجود التشريعات وحده لا يكفي إذا لم يصاحبه رقابة فعالة على تنفيذ الاشتراطات الهندسية، محذرًا من أن العقارات المخالفة وغير المرخصة تمثل "قنابل موقوتة" قد تتحول إلى مصدر كارثة عند حدوث أي هزة أرضية.

وأشار إلى أن تقارير الأمم المتحدة والبنك الدولي تؤكد أن غالبية ضحايا الزلازل في الدول النامية سقطوا بسبب انهيار المباني غير المطابقة للأكواد الهندسية، وليس بسبب قوة الزلزال، وهو ما يفسر انخفاض أعداد الضحايا في دول تتعرض لهزات عنيفة مقارنة بدول تتعرض لزلازل أقل قوة لكنها تعاني من ضعف الرقابة وانتشار البناء العشوائي.

واستعرض عرفة عددًا من التجارب الدولية الناجحة في إدارة مخاطر الزلازل، موضحًا أن اليابان تُعد النموذج الأبرز عالميًا بفضل تطبيقها أكواد بناء من بين الأكثر صرامة في العالم، واستخدامها تقنيات العزل الزلزالي، ومنظومات الإنذار المبكر، والتدريبات الدورية على الإخلاء، وهو ما ساهم في تقليل الخسائر البشرية رغم تعرضها لآلاف الهزات الأرضية سنويًا.

وأضاف أن تشيلي طورت واحدة من أقوى منظومات البناء المقاوم للزلازل بعد تعرضها لأقوى زلزال في التاريخ الحديث عام 1960، كما اعتمدت نيوزيلندا سياسة مراجعة دورية لجميع المباني القديمة، وإلزام ملاك العقارات بتدعيمها أو إزالتها إذا ثبت عدم صلاحيتها، بينما دمجت الولايات المتحدة التكنولوجيا مع الإدارة المحلية عبر استخدام نظم المعلومات الجغرافية والإنذار المبكر ومنح السلطات المحلية صلاحيات واسعة لإخلاء المباني الخطرة.

وأشار إلى أن الصين توسعت في استخدام الذكاء الاصطناعي والأقمار الصناعية والطائرات بدون طيار لتقييم الأضرار وتوجيه فرق الإنقاذ، فيما كشفت تجربة تركيا بعد زلزال 2023 أهمية الالتزام بأكواد البناء، بعدما أثبتت التحقيقات أن نسبة كبيرة من المباني المنهارة لم تكن مطابقة للاشتراطات الهندسية.

وأكد أن هذه التجارب تثبت أن الزلزال لا يتحول إلى كارثة إلا عندما يقترن بالبناء المخالف أو ضعف الرقابة أو غياب التخطيط، بينما تستطيع الدول التي تستثمر في الوقاية وتطبق القانون وتمنح البلديات صلاحيات حقيقية تقليل الخسائر البشرية والمادية إلى أدنى حد.

خسائر الكوارث الطبيعية عالميًا تتجاوز 300 مليار دولار سنويًا

وأشار إلى أن خسائر الكوارث الطبيعية عالميًا تتجاوز 300 مليار دولار سنويًا، فيما تؤكد تقديرات البنك الدولي أن كل دولار يُنفق على الوقاية يوفر ما بين أربعة وسبعة دولارات من تكاليف الإغاثة وإعادة الإعمار، ما يجعل الاستثمار في السلامة الإنشائية والإدارة المحلية استثمارًا اقتصاديًا وإنسانيًا في الوقت نفسه.

وطالب عرفة بإطلاق استراتيجية وطنية شاملة لمواجهة مخاطر الزلازل، تتضمن تحديث الخرائط الزلزالية، وإنشاء سجل رقمي للحالة الإنشائية لجميع العقارات، ومراجعة المباني الحكومية والخاصة القديمة، وتوسيع استخدام الذكاء الاصطناعي ونظم المعلومات الجغرافية في تقييم المخاطر، وربط المحافظات بالشبكة القومية للطوارئ، إلى جانب تنفيذ تدريبات دورية للإخلاء في المدارس والجامعات والمستشفيات والمؤسسات الحكومية.

واختتم تصريحاته بالتأكيد على أن الزلزال الأخير يجب أن يكون نقطة انطلاق لمراجعة شاملة لمنظومة إدارة المخاطر في مصر، مشددًا على أن الدول لا تستطيع منع وقوع الزلازل، لكنها تستطيع منع تحولها إلى كوارث من خلال الإدارة المحلية القوية، والتخطيط العمراني السليم، وتطبيق القوانين، والالتزام بأكواد البناء، والاستثمار في التكنولوجيا والبحث العلمي، بما يعزز قدرة المدن المصرية على الصمود ويحمي الأرواح والممتلكات.

تم نسخ الرابط