كل صباح يخرج علينا “مجدد” جديد، يحمل في يده هاتفًا، وفي جيبه يقينًا لا يتزعزع بأنه اكتشف ما عجزت عنه قرون من العلماء والمفكرين. لا يقرأ كثيرًا، لكنه يتحدث كثيرًا، ولا يعرف إلا القليل، لكنه يصحح للجميع.
تراه يبدأ حديثه بعبارة: “أنا مختلف”، ثم ينتهي به الأمر مكررًا كلامًا قيل عشرات المرات، لكن بصوت أعلى وثقة أكبر. وإذا سألته عن مصدر ما يقول، ابتسم ابتسامة الواثق وقال: “أنا لا أؤمن بالمصادر، أنا أؤمن بالفكرة!”
هؤلاء لا يكتفون بمناقشة الأفكار، بل يمنحون أنفسهم ألقابًا لم يمنحها لهم أحد؛ فيصبح الواحد منهم في دقائق فيلسوفًا، ومؤرخًا، ومفسرًا، وناقدًا، وخبيرًا في كل شيء، وكأن المعرفة تُكتسب بعدد المتابعين لا بعدد السنين التي قضاها الإنسان في التعلم.
العجيب أن المجدد الحقيقي يبدأ دائمًا بالإنصات، أما “المجدد اللانج” فيبدأ بإعلان الحرب على كل من سبقه. يرى أن كل العلماء أخطأوا، وكل المفكرين قصروا، وأن الحقيقة كانت تنتظره وحده ليكشفها في بث مباشر أو منشور لا يتجاوز بضع سطور.
ومن طرائف هذا الزمان أن بعضهم إذا حفظ مصطلحين أجنبيين، ظن أنه تجاوز ابن رشد، وإذا شاهد مقطعين على الإنترنت، أعلن انتهاء عصر العلماء وبدء عصره. يخلط بين الجرأة والجهل، وبين الثقة والغرور، وبين التجديد والهدم، ثم يتعجب إذا لم يجد من يصفق له.
بل إن بعضهم يستيقظ صباحًا على رأي، وينام مساءً على نقيضه، ثم يخبرنا أن هذا ليس تناقضًا، بل “تطور في الفكر”. وإذا ناقشته بالدليل، أجابك بالهجوم، وإذا طالبته بالبرهان، اتهمك بأنك تخشى التجديد، وكأن السؤال أصبح جريمة، والعلم عدوًا للأفكار السريعة.
والأعجب أن هؤلاء لا يحتملون سؤالًا، ولا يقبلون نقدًا، فإن وافقتهم فأنت “مستنير”، وإن خالفتهم أصبحت من أنصار الجمود والتخلف. وكأن الحقيقة أصبحت ملكًا لمن يرفع صوته أكثر، لا لمن يملك الدليل الأقوى.
التجديد الحقيقي يحتاج إلى معرفة راسخة، وصبر طويل، وتواضع يجعل صاحبه يراجع نفسه قبل أن يراجع الناس. يبدأ بالقراءة قبل الخطابة، وبالتعلم قبل التعليم، وباحترام ما بناه السابقون قبل الادعاء بأنهم لم يفهموا شيئًا.
ولذلك، سيظل الفارق كبيرًا بين عالمٍ يجدد بعلم، ومدعٍ يجدد بضوضاء؛ فالأول يترك أثرًا يبقى، والثاني يترك ضجةً تنتهي بانتهاء موجة الإعجابات. فليس كل من حمل شعار التجديد صار مجددًا، كما أن رفع الصوت لا يجعل الفكرة صحيحة، وكثرة المتابعين لا تصنع عالمًا. ويبقى التاريخ منصفًا؛ لا يخلد أصحاب الضجيج، بل يحفظ أسماء الذين جمعوا بين العلم، والحكمة، والتواضع، فأضافوا إلى الإنسانية فكرةً نافعة، لا مجرد ضجة عابرة.