ما الفرق بين الضرائب والمكس المحرم؟.. دار الإفتاء توضح
تلقت دار الإفتاء سؤالا من أحد متابعيها يقول فيه: ما الفرق بين الضرائب والمكس المحرم؟، مؤكدة أن الضرائب هي مقدار محدد من المال تفرضه الدولة في أموال المواطنين دون أن يقابل ذلك نفع مخصوص، فتُفرض على الملك والعمل والدخل نظير خدمات والتزامات تقوم بها الدولة لصالح المجموع، وهي تختلف باختلاف القوانين والأحوال.
وأفادت أن من يتدبر شريعة الإسلام يرى من مزاياها أن الأمور التي لا تختلف فيها المصلحة باختلاف الأوقات والبيئات والاعتبارات تنص على الحكم فيها نصا قاطعا لا مجال معه للاجتهاد والنظر؛ كتحليل البيع وتحريم الربا.
وأضافت أما الأمور التي تخضع فيها المصلحة للظروف والأحوال، فإن شريعة الإسلام تكل الحكم فيها إلى أرباب النظر والاجتهاد والخبرة في إطار قواعدها العامة، ومن أمثلة ذلك : ما يفرضه ولي الأمر من ضرائب على الأغنياء في وقت معين ولظروف معينة، فإن هذا الفعل قابل للإبقاء تارة، وللإلغاء أو التعديل تارةً أخرى على حسب ما تستلزمه مصلحة الأمة.
الحكمة من فرض الضرائب
وبينت دار الإفتاء أن الدولة لها ما يُسَمَّى بالموازنة العامة، والتي تجتمع فيها الإيرادات العامة والنفقات العامة، وإذا كانت النفقات العامة للدولة أكبر من الإيرادات العامة فإنَّ ذلك معناه عجز في ميزانية الدولة، يتعين على الدولة تعويضه بعِدَّةِ سُبل منها : فرض الضرائب.
الحقوق المالية الواجبة في مال المسلم
وأكدت أن من المقرر في الشريعة الغراء أن الحق الواجب في مال المسلم ليس قاصرًا على الزكاة المفروضة، ويدل على ذلك قوله تعالى: {ليْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾.
وأضافت أن الآية الكريمة قد جمع فيها بين إيتاء المال على حبه وبين إيتاء الزكاة بالعَطْفِ المقتضي للمغايرة، وهذا دليل على أن في المال حقا سوى الزكاة لتصح المغايرة.
وكان الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه أَوَّلَ مَن اجتهد في فرض أموال تُؤْخَذ من الناس من غير زكاة أموالهم لتحقيق المصالح العامة؛ كالخراج الذي هو الغلة، ويطلق الخراج على الجزية وغيرها مما يفرض دفعه سواء على الرؤوس أو الأراضي.
فالخراج يطلق على كل ما يجب على كل من بيده أرض خراجية نامية أن يدفعه، سواء أكان مسلما أم كافرًا، صغيرًا أم كبيرا، عاقلاً أم مجنونا ، رجلا أم امرأةً؛ وذلك لأن الخراج مؤونة الأرض النامية، وهم في حصول النماء سواء.
ولم تكن ضريبة الخراج في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولا في عهد خليفته الأول أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وفَعَلَ عمر رضي الله عنه ذلك بعد استشارته لكبار الصحابة من المهاجرين والأنصار.
وأردفت قد أقر جماعة من فقهاء المذاهب المتبوعة الضرائب، لكنهم لم يطلقوا عليها اسم الضرائب؛ فسماها بعض الحنفية النوائب جمع نائبة)، وهي اسم لما ينوب الفرد من جهة السلطان.
مفهوم المكس
وكشفت دار الإفتاء أنه لا علاقة بين المكس والضرائب التي تفرضها الدولة على نحو ما قررناه؛ إذ إن المكس في اللغة هو النقص والظلم، ويطلق لفظ المكس على جباية أي : جمع وأخذ المال من الناس بغير حق.
ولفتت إلى أن هذا هو المكس الذي يتناوله قول النبي، صلي الله عليه وآله وسلم، في الحديث الذي رواه أبو داود في "سننه": «لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ صَاحِبُ مَكْس»، فَجَمْعُ أموال الناس ظلما دون وجه حق هو المندرج تحت الوعيد الشديد المذكور في الحديث، فالذي يدخل تحت هذا الوعيد هو الضرائب الجائرة التي كانت تسود العالم قبل ظهور الإسلام، فقد كانت تؤخذ بغير حق، وتنفق في غير حق، ولا توزع أعباؤها بالعدل، ولم تكن تؤخذ من المواطنين حسب قدرتهم على الدفع، بل كثيرًا ما كان يُعفى الأغنياء محاباة، ويُرهق الفقراء عدوانًا.
واختتمت ومن ثم فلا تدخل تحت هذا الوعيد الشديد الضرائب التي تفرضها الدولة لتغطي نفقات الميزانية، وتسد حاجات البلاد من الإنتاج والخدمات وتقيم مصالح الأمة العامة العسكرية والاقتصادية والثقافية وغيرها، وتنهض بالشعب في جميع الميادين، حتى يتعلم كلُّ جاهل، ويعمل كل عاطل، ويشبع كل جائع، ويأمن كل خائف ، ويُعالج كل مريض، فإنها واجبة، وللدولة الحق في فرضها وأخذها من الرعية.