عاجل

ليست كل الأزمات التي تواجه الدول تُحسم في الميدان، فبعضها يُحسم في كيفية إدارة المعلومة، وفي القدرة على احتواء الرأي العام قبل احتواء الحدث نفسه. الدول الحديثة لا تُختبر فقط عند وقوع الأزمة، وإنما تُختبر في الساعات التالية لها؛ عندما تتزاحم الروايات، وتتصارع التأويلات، وتتحول منصات التواصل الاجتماعي إلى ساحات مفتوحة لترويج الأخبار غير الدقيقة، ومحاولات صناعة واقع موازٍ للحقيقة. وفي مثل هذه اللحظات يصبح البيان الرسمي أكثر من مجرد إعلان للمعلومات، بل يتحول إلى أداة من أدوات الأمن القومي، وإلى رسالة سياسية تعكس ثقة الدولة في مؤسساتها، وثقتها كذلك في وعي مواطنيها.

ولهذا اكتسب البيان الذي أصدرته الحكومة بشأن حادث ميناء دمياط أهمية تتجاوز تفاصيل الواقعة نفسها؛ فالبيان لم يكن مجرد عرض لنتائج تحقيقات أولية، وإنما قدم نموذجًا مختلفًا في إدارة أزمة ذات طبيعة أمنية، يقوم على التوازن بين حق المجتمع في المعرفة، وضرورة الحفاظ على سرية ما تقتضيه التحقيقات. لم تتعجل الدولة في إطلاق الاتهامات، ولم تسمح في الوقت ذاته بأن يملأ الفراغ سيلٌ من الشائعات والتحليلات غير المسؤولة؛ تحدثت بما توافر لديها من معلومات، وأكدت أن التحقيقات لا تزال مستمرة، وهو سلوك يعكس نضجًا مؤسسيًا أصبحت الدولة المصرية أكثر حرصًا على ترسيخه خلال السنوات الأخيرة.

إن أخطر ما يهدد الدول في أوقات الأزمات ليس الحدث ذاته، وإنما فقدان السيطرة على الرواية؛ فمن يمتلك الرواية يمتلك جانبًا مهمًا من إدارة الأزمة، ولذلك تسعى أطراف عديدة في عالم اليوم إلى استغلال أي حادث، مهما كان محدودًا، لبناء سرديات سياسية وإعلامية تخدم أهدافها، خاصة في منطقة تعيش واحدة من أكثر الفترات اضطرابًا في تاريخها الحديث. ومن هنا يمكن فهم أهمية أن تبادر الدولة إلى تقديم روايتها الرسمية القائمة على نتائج التحقيقات؛ لأن ترك المجال مفتوحًا أمام التكهنات لا يضر فقط بصورة المؤسسات، وإنما قد يتحول إلى تهديد مباشر للاستقرار الداخلي، ويمنح خصوم الدولة فرصة لبث الشكوك وإثارة البلبلة.

ولعل ما يستحق التوقف أمامه أن الدولة المصرية لم تتعامل مع الحادث باعتباره واقعة منفصلة عن السياق الإقليمي، وإنما تعاملت معه باعتباره جزءًا من بيئة إستراتيجية معقدة تتشابك فيها الاعتبارات الأمنية والاقتصادية والسياسية. فميناء دمياط ليس مجرد منشأة خدمية، بل هو أحد أهم الشرايين التي تربط الاقتصاد المصري بحركة التجارة العالمية، وأحد المكونات الأساسية في منظومة الأمن الاقتصادي للدولة. ومن ثم فإن تأمينه لا يتعلق فقط بحماية منشأة أو سفن، وإنما بحماية الثقة في قدرة الدولة على صون مرافقها الحيوية، وضمان استمرار عملها بكفاءة مهما بلغت التحديات.

هناك فارق كبير بين دولة تتخذ قراراتها تحت ضغط اللحظة، ودولة تسمح لمؤسساتها بالقيام بعملها وفق القواعد المهنية والقانونية، ثم تبني مواقفها على ما تنتهي إليه هذه المؤسسات من نتائج. وهذا الفارق هو الذي يصنع الاستقرار؛ لأن المؤسسات لا تنجرف وراء الانفعال، ولا تسمح للعواطف بأن تحل محل الحقائق، وهو ما ظهر بوضوح في طريقة التعامل مع الحادث منذ اللحظة الأولى وحتى صدور البيان.

وفي تقديري، فإن القيمة الحقيقية لهذا المشهد لا تكمن فقط في نجاح أجهزة الدولة في احتواء تداعيات الحادث، وإنما في نجاحها في ترسيخ معادلة أصبحت ضرورية في عالم اليوم، وهي أن الشفافية لا تتعارض مع مقتضيات الأمن القومي، بل تدعمها عندما تُمارس وفق قواعد دقيقة. وليس المقصود بالشفافية كشف كل ما يدور داخل غرف التحقيق، وإنما تقديم المعلومات المؤكدة للرأي العام في توقيت مناسب، بما يمنع التضليل ويحافظ في الوقت نفسه على سلامة الإجراءات. وهذه المعادلة هي التي افتقدتها دول كثيرة، فدفعت ثمنا باهظًا نتيجة انتشار الشائعات وفقدان الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.

ولا يمكن تجاهل البعد الاقتصادي لهذا النهج؛ لأن الأسواق لا تتأثر بالوقائع وحدها، وإنما تتأثر أيضًا بطريقة إدارتها. والمستثمر المحلي أو الأجنبي يبحث دائمًا عن دولة تمتلك مؤسسات قادرة على التعامل مع الطوارئ، وتملك الشجاعة في إعلان الحقائق، والقدرة على استعادة النشاط الطبيعي في أسرع وقت. ومن هذه الزاوية، فإن إدارة حادث ميناء دمياط بعثت برسالة طمأنة إلى الداخل والخارج، مفادها أن الدولة المصرية تمتلك منظومة متماسكة لإدارة المخاطر، وأن ما جرى لم يؤثر في كفاءة المرافق الحيوية أو في استقرار حركة التجارة.

ويبقى الدرس الأهم أن معركة الوعي لا تقل أهمية عن أي معركة أخرى؛ فالحروب في عصرنا لم تعد تُخاض بالسلاح فقط، بل تُخاض بالكلمة والصورة والمعلومة. ولذلك فإن مسؤولية حماية الوطن لا تقع على عاتق مؤسسات الدولة وحدها، وإنما تمتد إلى الإعلام، والنخب، والمواطن، وكل من يملك منصة للتأثير في الرأي العام. الوعي الوطني يبدأ من إدراك أن تداول الشائعات دون تحقق قد يخدم، من حيث لا ندري، أجندات تستهدف إضعاف الدولة وزعزعة ثقة المجتمع في مؤسساته.

لقد قدمت الدولة المصرية، من خلال تعاملها مع حادث ميناء دمياط، نموذجًا يؤكد أن بناء الثقة لا يتم بالشعارات، وإنما بالممارسة اليومية، وأنه حين تتحرك المؤسسات بكفاءة، وتتحدث الحكومة بالمعلومات، وتترك التحقيقات لتأخذ مجراها الطبيعي، يصبح المجتمع أكثر قدرة على التمييز بين الحقيقة والادعاء، وأكثر اقتناعًا بأن قوة الدولة لا تكمن فقط في قدرتها على مواجهة الأخطار، وإنما أيضًا في قدرتها على إدارة الحقيقة، وحماية الوعي، وترسيخ الثقة باعتبارها أحد أهم مقومات الأمن القومي في زمن تتجاوز فيه المعارك حدود الجغرافيا إلى عقول البشر.

تم نسخ الرابط