لم يعد الخطر الذي يهدد الحضارة المصرية يقتصر على سرقة آثارها أو العبث بمعالمها، بل امتد إلى سرقة الوعي بها. فخلال السنوات الأخيرة، فُتح الباب على مصراعيه أمام من يطلقون على أنفسهم لقب "باحث في الحضارة المصرية" أو "كاتب في التاريخ المصري القديم"، ليقدموا اجتهادات شخصية وفرضيات غير مثبتة باعتبارها حقائق تاريخية، دون سند أثري. وهكذا تحولت بعض المنصات والجهات الإعلامية إلى ساحة تختلط فيها الحقائق بالأساطير، حتى أصبح الرأي الشخصي ينافس الدليل العلمي، وأصبحت الإثارة وسيلة أسرع للانتشار من البحث الأكاديمي.
والمشكلة لا تكمن في البحث خارج الإطار الأكاديمي، وإنما في غياب الضوابط العلمية. فعندما يصبح لقب "باحث" وحده مصدرًا للمصداقية، تتحول الفرضيات إلى حقائق، والتأويلات إلى مسلمات، لتتشكل في النهاية صورة مشوهة عن الحضارة المصرية القديمة.
ولعل السينما التقطت هذه الظاهرة، ربما دون قصد، في فيلم الأصليين، الذي ظهرت فيه شخصية "ثريا"، التي أدتها الفنانة منة شلبي، باعتبارها باحثة في الحضارة المصرية، تتبنى رؤية تقول إن زهرة اللوتس الزرقاء لم تكن مجرد رمز ديني أو نبات استخدمه المصري القديم، بل ان له سرًا خفيًا، وإن هذا النبات تعرض للإقصاء، ومع اختفائه ضاعت الحضارة وانطفأ وهجها.
وقد تبدو هذه الفكرة جذابة من الناحية الدرامية، لكنها تصطدم بما تشير اليه الأدلة الأثرية والنصوص المصرية القديمة. فلا يوجد نص واحد، ولا نقش واحد، ولا بردية واحدة تشير إلى أن اللوتس الأزرق كان يحمل "سر الحضارة"، أو أن إقصاءه – إن كان قد حدث فعلًا – كان سببًا في انهيار الحضارة المصرية.
لقد كان اللوتس رمزًا للحياة والتجدد والبعث، وعنصرًا حاضرًا في الفن والطقوس الدينية، لكنه لم يكن يومًا مفتاحًا سريًا لتاريخ مصر كما صوّره الفيلم. وسنفرد مقالًا لاحقًا للحديث عن زهرة اللوتس واستخداماتها الطبية والرمزية في الحضارة المصرية القديمة.
غير أن القضية لا تقتصر على هذا الفيلم أو على عمل فني بعينه، بل تعكس ظاهرة اتسعت بصورة لافتة في السنوات الأخيرة. فقد أتاحت المنصات الرقمية لكل صاحب رأي أن يتحول إلى صانع محتوى، ولكل فرضية أن تجد جمهورًا واسعًا دون أن تمر بأي مراجعة علمية، رغم الجهود المضاعفة التي تبذلها المؤسسات المعنية لرفع الوعي الأثري الصحيح.
فقد أطلقت وزارة السياحة والآثار مبادرة "حكايتنا" بالتعاون مع وزارة التربية والتعليم، التي تستهدف تنمية الوعي الأثري لدى طلاب المدارس من خلال زيارات ميدانية للمواقع الأثرية والمتاحف وربطها بالاكتشافات الحديثة، كما تم إطلاق منصة "رحلة" الرقمية لتنظيم رحلات مدرسية المجانية للمتاحف والمواقع الأثرية على مستوى الجمهورية. وفي إطار المبادرة الرئاسية "بداية جديدة لبناء الإنسان"، نظمت الوزارة 513 فعالية توعوية استهدفت أكثر من 30 ألف مواطن، تنوعت بين ندوات ومحاضرات ورحلات توعوية. كما أُطلقت المبادرة الوطنية "جذور" برعاية وزارة الشباب والرياضة لربط الشباب بجذورهم التاريخية ودعم الحرف والفنون التراثية.
ورغم الجهود المبذولة لنشر المعرفة الأثرية الصحيحة، يظل التحدي قائمًا أمام سرعة انتشار المحتوى غير الموثق عبر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث يقدم بعض غير المتخصصين رواياتهم الخاصة عن الحضارة المصرية القديمة، بدءًا من نظريات بناء الأهرامات، ومرورًا بادعاءات الطاقة الخفية أو القوى الغامضة، ووصولًا إلى الادعاء بوجود رموز ومواد ذات مزاعم خارقة تتجاوز ما تثبته الأدلة الأثرية. وغالبًا ما تُقدَّم هذه الروايات باعتبارها حقائق تاريخية، رغم افتقارها إلى السند الأثري أو التأييد التاريخي أو المنهج العلمي القائم على الدراسة والتحليل.
ولذلك، فإن التصدي لهذه الظاهرة لم يعد ترفًا، بل ضرورة لحماية الوعي العام. ويتطلب ذلك دورًا أكثر فاعلية للمؤسسات الأكاديمية في تبسيط علوم الحضارة المصرية القديمة للجمهور، إلى جانب إنشاء وحدة للإعلام الأثري بوزارة السياحة والآثار، تتولى الرد على المعلومات المغلوطة، والتنسيق مع المنصات الرقمية ووسائل الإعلام لوضع آليات قانونية واتخاذ الإجراءات المناسبة تجاه المحتوى الذي يقدَّم للجمهور فرضيات أو معلومات أثرية غير موثقة باعتبارها حقيقة تاريخية.
إن حماية الحضارة المصرية لا تقتصر على صون آثارها وترميم معابدها، بل تمتد إلى حماية تاريخها ووعي المجتمع بها من التشويه والتزييف. فالأمم لا تفقد تاريخها عندما تُنهب آثارها فحسب، بل أيضًا عندما يُستبدل الدليل بالادعاء، والمنهج العلمي بالإثارة، والحقيقة بالحكاية.