عاجل

هل يمكن لحربٍ في دولة صغيرة مثل فيتنام، أن تهزّ صورة الولايات المتحدة الأمريكية كأقوى قوة في العالم؟
كيف تحولت مواجهة محلية ضد استعمار قديم، إلى حربٍ دولية مفتوحة بين معسكرين: معسكر رأسمالي تقوده واشنطن، ومعسكر اشتراكي يقوده الاتحاد السوفيتي والصين؟
الأغرب من ذلك كله، أن الولايات المتحدة دخلت حرب فيتنام وهي تملك التفوق العسكري، والتكنولوجيا، والاقتصاد، والسلاح الجوي الأكثر تطورًا، لكنها خرجت منها منهكة، متصدعة داخليًا، وخاسرة سياسيًا.
فهل كانت حرب فيتنام مجرد خطأ إستراتيجي، أم أنها كانت جزءًا من مشروع أوسع لإدارة النفوذ العالمي؟
أم أن الحقيقة أخطر من ذلك، وأن الحرب لم يكن الهدف منها الانتصار بقدر ما كان الهدف استمرارها؟
في هذه الحلقة سنفتح ملف حرب فيتنام؛ بوصفها واحدة من أكثر الحروب غموضًا وتأثيرًا في التاريخ الحديث.
لم تدخل الولايات المتحدة حرب فيتنام فجأة، بل جاء تدخلها نتيجة صراعٍ عالمي محتدم بين الشرق والغرب.
لقد كان الصراع الأيديولوجي والجيوسياسي بين الولايات المتحدة وحلفائها من جهة، والاتحاد السوفيتي والصين من جهة أخرى، هو المحرك الرئيسي لجرّ واشنطن إلى المستنقع الفيتنامي.
وقد أشار المؤرخ الأمريكي فريدريك لوجيفال (Fredrik Logevall) إلى حقيقة مهمة حين قال: "إذا كان توجه هوشي منه الشيوعي مهمًا لدى أي عاصمة كبرى في تلك الفترة، فكان ذلك في واشنطن."
لم تكن واشنطن تنظر إلى فيتنام كدولة مستقلة تبحث عن مصيرها، بل كانت تنظر إليها كنقطة البداية لسلسلة سقوط محتملة لدول أخرى في جنوب شرق آسيا فيما عُرف لاحقًا بنظرية "الدومينو".
لكن الأمر لم يكن خارجيًا فقط، بل كان داخليًا أيضًا.
ففي الولايات المتحدة، وبعد الحرب العالمية الثانية، انتشر مناخ سياسي عدائي تجاه الشيوعية، بلغ ذروته في ظاهرة المكارثية (McCarthyism)، حيث أصبح مجرد الاشتباه في الميل اليساري تهمة قد تدمّر حياة الإنسان ومستقبله السياسي.
ثم جاءت الحرب الكورية، التي انتهت بتوازن سياسي وعسكري غير حاسم بين واشنطن من جهة، والصين والاتحاد السوفيتي من جهة أخرى، لتزيد من خوف صناع القرار الأمريكيين من أن أي تراجع أمام الشيوعية يعني خسارة إستراتيجية كبرى.
وهكذا، أصبحت فيتنام ليست مجرد حرب، بل اختبارًا للهيبة الأمريكية.
لكن المشكلة الكبرى لم تكن في دوافع التدخل، بل في أن واشنطن دخلت فيتنام دون أن تفهم فيتنام أصلًا.
واحدة من أخطر سمات التدخل الأمريكي في فيتنام كانت الجهل العميق بطبيعة المجتمع الفيتنامي.
لم تدرك الولايات المتحدة أن الشعب الفيتنامي ليس مجرد شعب فقير ضعيف يمكن إخضاعه بسهولة، بل هو شعب يمتلك تاريخًا طويلًا من المقاومة القومية، بدأ منذ قرون في مواجهة الغزاة، ومن بينهم الصين.
كانت القومية الفيتنامية متجذرة بعمق، وكان رفض الاحتلال جزءًا من الهوية الوطنية.
والأخطر أن واشنطن تجاهلت الأسباب الحقيقية لصعود جبهة التحرير الفيتنامية في الجنوب، وتجاهلت الظروف السياسية والاجتماعية التي جعلت آلاف الفيتناميين يرون في المقاومة طريقًا طبيعيًا.
بل إن الدعم الشعبي للمقاومة كان مرتبطًا بشخصية استثنائية في الذاكرة الفيتنامية: هوشي منه، الرجل الذي لم يكن بالنسبة لكثيرين مجرد زعيم سياسي، بل رمزًا للتحرر والاستقلال.
ومع ذلك، أصرت الولايات المتحدة على تفسير الحرب باعتبارها مؤامرة دولية يديرها الكرملين في موسكو، وكأن الفيتناميين بلا إرادة وطنية ولا مشروع تحرر.
وهنا بدأ الانفصال بين الواقع وبين العقل السياسي الأمريكي.
ومع تصاعد الخوف من الشيوعية، تبنت واشنطن عقلية "الربح والخسارة" وكأن العالم لوحة شطرنج.
في الخمسينيات والستينيات، كان صناع القرار الأمريكيون يؤمنون بمبدأ خطير وبسيط:
أي تقدم للشيوعية، هو خسارة مباشرة للولايات المتحدة.
وأي تراجع للشيوعية، هو انتصار أمريكي.
هذه العقلية جعلت فيتنام تبدو كقطعة دومينو إذا سقطت، ستسقط بعدها دول أخرى مثل لاوس وكمبوديا وتايلاند.
ولذلك، تدخلت واشنطن في الحرب، وهي تعتقد أن المجتمع الفيتنامي "بدائي"، وأنه لن يصمد أمام القوة الأمريكية.
لكن في الوقت نفسه، كانت واشنطن تخشى توسع الحرب وتدخل الصين أو الاتحاد السوفيتي بشكل مباشر، لذلك اعتمدت إستراتيجية تدريجية تصاعدية وحذرة، تدخلٌ خطوة بخطوة، دون إعلان حرب شاملة في البداية.
وهكذا بدأت أمريكا تدخل الحرب، لكنها لم تدخلها بكل قوتها، بل دخلتها وهي مترددة وخائفة من التصعيد العالمي.
ثم جاءت اللحظة التي احتاجت فيها الإدارة الأمريكية إلى مبرر رسمي لحرب كانت جاهزة مسبقًا.
في عام 1964 أعلنت الولايات المتحدة رسميًا دخول الحرب ضد فيتنام الشمالية، بعد حادثة زعمت فيها أن مدمرات أمريكية تعرضت لهجوم من قوارب تابعة لفيتنام الشمالية في خليج تونكين.
وسُميت هذه الواقعة بـ "حادثة خليج تونكين".
لكن الحقيقة، كما كشفتها شهادات لاحقة، كانت صادمة: الهجوم لم يحدث بالشكل الذي قُدم للرأي العام؛ بل إن جزءًا كبيرًا من الواقعة كان مبالغًا فيه أو مختلقًا. هكذا اعتادت أمريكا الكذب على العالم في تدبير الوقائع التي تتخذها مبررًا للدخول في الحروب.
لقد اتخذت الإدارة الأمريكية من هذه الحادثة ذريعة لتوسيع الحرب والانتشار الهائل للقوات.
وبعد سنوات، صرح وزير الدفاع الأمريكي السابق روبرت ماكنمارا أن حادثة خليج تونكين كانت خطأ، بينما اعترف العديد من المطلعين والضباط بأنها كانت مهزلة مدبرة وخدعة كاملة.
وهكذا بدأت الحرب رسميًا، لكن بدايتها كانت محاطة بالالتباس السياسي والخداع الإعلامي.
والآن، بعد دخول الحرب رسميًا، اعتمدت أمريكا على ما تجيده: القوة العسكرية، لكنها لم تدرك أن القوة وحدها لا تصنع النصر.
اعتمدت الولايات المتحدة على سياسة القوة النارية.
وقد لخّص المؤرخ جورج هيرنغ (George Herring) هذه الحقيقة بوضوح حين قال: "لم تضع الولايات المتحدة إستراتيجية ملائمة للحرب، اعتقادًا منها أن مجرد توظيف قوتها العسكرية سيكون كافيًا."
وهنا ظهرت المعضلة: هل كانت الولايات المتحدة تخوض حربًا تقليدية يمكن حسمها بالدبابات والطائرات، أم أنها كانت تخوض حرب عصابات، تحتاج إلى تكتيكات مختلفة تقوم على مكافحة التمرد والسيطرة الشعبية؟
في الواقع، كانت الحرب خليطًا معقدًا.
جبهة التحرير الوطني وشمال فيتنام استخدموا تكتيكين في وقت واحد: (حرب عصابات مرهقة للقوات الأمريكية، وحرب تقليدية عند الحاجة).
إضافة إلى ذلك، استخدموا دبلوماسية ذكية، واستغلوا تناقضات القوى الغربية، والاضطرابات الاجتماعية داخل أمريكا نفسها.
وهكذا بدأت القوة الأمريكية تتحول من أداة حسم إلى عبء سياسي وأخلاقي.
ومع طول أمد الحرب، بدأت واشنطن تبحث عن مخرج، فظهر مفهوم جديد: "فتنمة الحرب".
مع فشل الولايات المتحدة في حسم الحرب، ومع تزايد عمليات تسلل المقاتلين من الشمال إلى الجنوب، بدأت واشنطن تغيير إستراتيجيتها تحت شعار: (Vietnamization – فتنمة الحرب)، أي تدريب الجيش الفيتنامي الجنوبي وتمكينه ليحمل عبء القتال، بينما تقلل أمريكا خسائرها البشرية المباشرة.
وفي الوقت نفسه، كثفت الولايات المتحدة حملاتها الجوية ضد فيتنام الشمالية، واستهدفت البنية التحتية المدنية والعسكرية بشكل أوسع وبوتيرة أعلى.
لكن هذا لم يحقق النتيجة المطلوبة، لأن العامل الحاسم لم يكن السلاح، بل الإرادة الشعبية.
نجحت جبهة التحرير الوطني في ترسيخ جبهتها الداخلية بشكل مذهل.
وتشير الإحصاءات إلى حقيقة صادمة: أن 88% من الاشتباكات بين القوات الأمريكية وجيش التحرير الوطني بدأت بمبادرة من جيش التحرير الوطني نفسه.
أي أن الفيتناميين لم يكونوا في موقع الدفاع فقط، بل كانوا أصحاب المبادرة في الميدان.
وفي نهاية المطاف، كان العامل الأكثر حسمًا هو قدرة الشعب الفيتنامي على التحمل أمام الخسائر البشرية الهائلة، مقابل رهانهم على أن الجيش الأمريكي، مهما كان قويًا، لن يستطيع تحمل حرب طويلة بلا نهاية واضحة.
لكن هناك جانب آخر أكثر إثارة للجدل، يتعلق بما كان يحدث خلف الستار في واشنطن.
من أكثر النقاط التي أثارت الجدل في تاريخ حرب فيتنام أن الحرب لم تكن تُدار فقط بمنطق عسكري، بل بمنطق سياسي واقتصادي.
ففي أكتوبر 1966، رفع الرئيس الأمريكي ليندون جونسون القيود المفروضة على التجارة السوفيتية، رغم علمه أن السوفييت كانوا يزوّدون فيتنام الشمالية بأكثر من 80% من تجهيزاتها العسكرية.
وبعد رفع الحظر، ساهمت مصارف أمريكية كبرى في تمويل مصانع سوفيتية كانت تنتج معدات عسكرية تصل إلى ساحة القتال.
ثم ظهرت مفارقات أخرى، مثل قواعد الاشتباك التي تضمنت قيودًا على القوات الأمريكية، مثل:
* عدم قصف أنظمة الدفاع الجوي إلا بعد التأكد من تشغيلها.
* عدم ملاحقة العدو إذا عبر إلى مناطق حدودية حساسة.
* عدم ضرب أهداف إستراتيجية إلا بشروط معينة.
بل إن فيتنام الشمالية كانت على علم بهذه القيود، ما منحها فرصة لتطوير خطط كاملة حول نقاط الضعف الأمريكية.
وهكذا ظهرت رؤية تقول إن نتائج الحرب لم تكن فقط بسبب ضعف عسكري، بل بسبب أخطاء سياسية وقيادة مدنية مرتبكة وجيش مطيع.
استمرت الحرب سنوات طويلة، وتحوّلت إلى واحدة من أكثر الحروب دموية في القرن العشرين.
النتيجة كانت كارثية (حوالي 58 ألف قتيل أمريكي، وأكثر من 3 ملايين قتيل فيتنامي).
أرقام تكشف أن الحرب لم تكن مجرد معركة عسكرية، بل مأساة إنسانية كبرى.
وقد ذهب بعض الباحثين إلى أن الهدف لم يكن الانتصار السريع بقدر ما كان استمرار الحرب، أو ما يمكن تسميته: "حرب اللا رابح"؛ فطالما الحرب مستمرة، تستمر المصانع العسكرية في الإنتاج، وتستمر عقود التسليح، وتستمر الأرباح، ويظل الاقتصاد الحربي يعمل كآلة لا تتوقف.
في النهاية، حرب فيتنام لم تكن مجرد مواجهة عسكرية بين جيشين، بل كانت اختبارًا لفكرة أمريكية كبرى:
هل تستطيع قوة عظمى أن تفرض إرادتها على شعب يمتلك عقيدة مقاومة؟
لقد دخلت أمريكا الحرب وهي تعتقد أن التكنولوجيا قادرة على حسم كل شيء، لكنها اكتشفت أن التاريخ والهوية والوعي الشعبي أقوى من الطائرات والمدافع.
وخرجت واشنطن من فيتنام بخسارة سياسية ومعنوية، وانقسام اجتماعي داخلي، وشك عميق في مشروعها العالمي.
لقد كانت فيتنام درسًا قاسيًا يقول بوضوح: ليس كل من يملك القوة ينتصر، وليس كل من يخوض الحرب يعرف لماذا يخوضها.
ويبقى السؤال الأخير الذي يفرض نفسه: هل كانت حرب فيتنام خطأ تاريخيًا؟ أم كانت نموذجًا مبكرًا لفكرة أن الحروب الحديثة ليست دائمًا لصناعة النصر، بل أحيانًا لصناعة النفوذ والربح؟
وفي الحلقة القادمة، نتجول في حقل ألغام جديد:
العنوان: حرب الخليج الثانية 1990: كيف قادت أمريكا العراق إلى الفخ؟
 

تم نسخ الرابط