الأول منذ 1945.. لماذا تعيد اليابان تشكيل منظومتها الاستخباراتية؟
تتجه اليابان إلى إعادة تشكيل منظومتها الاستخباراتية عبر إطلاق المكتب الوطني للاستخبارات، في خطوة تعد الأكبر من نوعها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وسط تصاعد التحديات الأمنية المحيطة بها، خاصة من جانب الصين وروسيا وكوريا الشمالية، وذلك وفقًا لما أوردته شبكة "CNN".
إصلاح شامل لمنظومة الاستخبارات اليابانية
ومن المقرر أن يبدأ المكتب الجديد مهامه رسميًا يوم السبت، ليحل محل هياكل استخباراتية سابقة تعرضت لانتقادات بسبب تشتتها وضعف التنسيق بينها، فيما يرى خبراء أن هذه الخطوة قد تمهد لإصلاحات أوسع تشمل سن قانون لمكافحة التجسس وإنشاء جهاز استخبارات خارجي على غرار وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) أو جهاز الاستخبارات البريطاني (MI6).
وأكدت رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي أن إنشاء المكتب يمثل الخطوة الأولى في مسار إصلاح شامل لقطاع الاستخبارات، مشيرة إلى أن التطورات الأمنية العالمية تتطلب التعامل مع أساليب الحرب الجديدة.

وتقود تاكايتشي هذه الإصلاحات منذ توليها رئاسة الحكومة في أكتوبر الماضي، حيث تدعم تعزيز قدرات اليابان الدفاعية والأمنية، كما تعمل على الاستفادة من خبرات حلفائها الغربيين، ومن بينهم الولايات المتحدة وأستراليا وألمانيا، لتطوير منظومتها الاستخباراتية.
ما مهام المكتب الوطني للاستخبارات؟
كان مكتب أبحاث ومعلومات مجلس الوزراء (CIRO) الجهاز الاستخباراتي الرئيسي في اليابان، ويضم نحو 700 موظف، لكنه كان يواجه قيودًا في الصلاحيات وضعفًا في التنسيق مع بقية المؤسسات.
وتضم اليابان وحدات لجمع المعلومات داخل وزارات الخارجية والدفاع والعدل، إلى جانب الشرطة الوطنية، إلا أن هذه الجهات كانت تعمل غالبًا بصورة منفصلة دون إطار موحد لتحليل وتبادل المعلومات.
ومع بدء عمل المكتب الجديد، سيتم رفع مستوى "CIRO" ليصبح هيئة مركزية تتولى جمع وتحليل المعلومات الاستخباراتية من مختلف أجهزة الدولة، مع إلزام الوزارات والجهات الحكومية بمشاركة البيانات معه.
وسيخضع المكتب لإشراف مجلس الاستخبارات الوطني برئاسة رئيسة الوزراء وعضوية كبار الوزراء، على أن تتركز مهامه على مكافحة الإرهاب، والتعامل مع الطوارئ الوطنية، ومواجهة أنشطة التجسس والتأثير الأجنبي السري.

لماذا تسعى اليابان إلى تعزيز استخباراتها؟
رغم امتلاك اليابان تاريخيًا أجهزة أمنية قوية خلال فترة الإمبراطورية، فإن هزيمتها في الحرب العالمية الثانية أدت إلى إعادة بناء النظام السياسي وتقليص صلاحيات الأجهزة الاستخباراتية، خشية عودة ممارسات القمع الداخلي.
لكن هذا التقليص ترك ثغرات أمنية كبيرة، إذ لا تمتلك اليابان جهاز استخبارات خارجي مستقلًا، كما تفتقر إلى قانون خاص بمكافحة التجسس، مما يحد من قدرتها على مواجهة أنشطة استخباراتية أجنبية.
ويرى محللون أن هذه الثغرات تؤثر على مكانة اليابان لدى حلفائها، إذ قد تتردد بعض الدول في مشاركة معلومات حساسة معها بسبب مخاوف تتعلق بحماية البيانات.
وكشفت تقارير صحفية أن روسيا تمكنت من استغلال بعض نقاط الضعف للحصول على مكونات يابانية جرى تهريبها إلى موسكو واستخدامها لاحقًا في تصنيع أسلحة خلال الحرب في أوكرانيا.
لماذا يأتي الإصلاح في هذا التوقيت؟
تأتي الخطوة في ظل تغيرات جيوسياسية متسارعة في شرق آسيا، مع وجود الصين وروسيا وكوريا الشمالية كقوى تمتلك قدرات استخباراتية متقدمة بالقرب من اليابان.
كما أن كون طوكيو حليفًا رئيسيًا للولايات المتحدة واستضافتها نحو 55 ألف جندي أمريكي يجعلها هدفًا لأنشطة التجسس، خاصة ما يتعلق بتحركات القوات الأمريكية والتقنيات العسكرية الحديثة.

وتخشى اليابان من محاولات الحصول على معلومات سياسية وعسكرية من جانب روسيا، أو سرقة أسرار تكنولوجية من شركاتها من قبل الصين، خاصة مع تنامي التعاون بين بكين وموسكو وبيونج يانج.
ويرى خبراء أن هذه التطورات دفعت طوكيو إلى تعزيز قدراتها الذاتية لحماية أمنها ودعم تحالفها مع واشنطن.
مخاوف من توسع صلاحيات الجهاز الجديد
ورغم دعم الحكومة للإصلاح، يواجه المشروع انتقادات من بعض المشرعين ونشطاء حقوق الإنسان، الذين يخشون من أن يؤدي توسيع صلاحيات أجهزة الاستخبارات إلى انتهاك الخصوصية أو إساءة استخدام السلطة.
كما أثار مقترحا سن قانون لمكافحة التجسس وإنشاء جهاز استخبارات خارجي جدلًا واسعًا، إذ يحذر معارضون من إمكانية استخدام مثل هذه القوانين لملاحقة المعارضين إذا لم توجد ضمانات رقابية واضحة.
ويؤكد خبراء أن نجاح التجربة اليابانية سيعتمد على وضع آليات قوية للرقابة والمساءلة الديمقراطية، على غرار الأنظمة المعمول بها في الولايات المتحدة وبريطانيا، لضمان عدم تحول الجهاز الجديد إلى أداة تتجاوز صلاحياته.



