كيف تدير الولايات المتحدة فنزويلا من واشنطن وتسيطر على نفطها؟
منذ أن أعلنت الولايات المتحدة القبض على الرئيس الفنزويلي آنذاك نيكولاس مادورو في عملية عسكرية جريئة خلال يناير الماضي، دخلت فنزويلا مرحلة سياسية غير مسبوقة، إذ أصبحت القرارات الكبرى المتعلقة بإدارة البلاد واقتصادها تصدر أو تتأثر بشكل مباشر من واشنطن، في تطور دفع عددا من الخبراء إلى وصف الدولة الواقعة في أمريكا الجنوبية بأنها "محمية أمريكية بكل شيء إلا الاسم".
وبينما يؤكد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن بلاده تجني "مليارات ومليارات الدولارات" من فنزويلا، لا يزال أكثر من نصف سكان الدولة يعانون من الفقر المدقع، في وقت فاقمت فيه الزلازل المدمرة التي ضربت البلاد في يونيو الماضي من الأزمة الاقتصادية والإنسانية.

ترامب: الولايات المتحدة تجني مليارات من فنزويلا
لم يُخف ترامب مرارا رضاه عن الأموال التي تحققها الولايات المتحدة من فنزويلا، مؤكدا أن العائدات تجاوزت بكثير تكلفة العملية العسكرية التي أطاحت بمادورو، وقال للصحفيين على متن الطائرة الرئاسية: "إننا نتلقى الكثير من الأموال.. مليارات ومليارات الدولارات من فنزويلا"، مضيفا أنه يعتقد أن إجمالي المبلغ يفوق التقديرات المتداولة.
وتشير تقارير إلى أن الولايات المتحدة جمعت أكثر من 13 مليار دولار من مبيعات النفط الفنزويلي، بينما يعتقد ترامب أن الرقم الحقيقي أعلى من ذلك.
من يحكم فنزويلا الآن؟
بعد اعتقال مادورو وزوجته، لم ينهر هيكل النظام بالكامل، إذ تولت نائبته ديلسي رودريجيز قيادة البلاد بصفة مؤقتة، لكن وفق ترتيبات منحت واشنطن نفوذا واسعا على مؤسسات الدولة.
وحذر ترامب رودريجيز عقب العملية العسكرية من أنها قد تواجه المصير نفسه إذا لم تستجب للضغوط الأمريكية، وهو ما اعتبره محللون رسالة واضحة بشأن حدود استقلالية الحكومة الجديدة.
ورغم أن الأنظار تتجه عادة إلى البيت الأبيض، يرى خبراء أن الشخصية الأكثر تأثيرا في إدارة الملف الفنزويلي هي وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو.
وقال بنجامين جيدان، مدير برنامج أمريكا اللاتينية في مركز ستيمسون، إن عملية صنع القرار "تتركز بشكل كبير في مكتب ماركو روبيو داخل البيت الأبيض".
وذكرت تقارير أن روبيو يتواصل بصورة منتظمة مع ديلسي رودريجيز عبر تطبيق "واتساب"، ويوجه كثيرا من القرارات اليومية المتعلقة بإدارة الدولة.

واشنطن تتحكم في عائدات النفط
تمتلك فنزويلا أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في العالم، ويشكل النفط نحو ربع الناتج المحلي الإجمالي للبلاد، إلا أن عائداته لم تعد تذهب مباشرة إلى الحكومة الفنزويلية، فخلال الأشهر الستة الماضية، أُودعت عائدات صادرات النفط في حساب مصرفي داخل الولايات المتحدة يخضع لسيطرة واشنطن.
ويقول الخبير الاقتصادي الفنزويلي فرانسيسكو رودريجيز إن الولايات المتحدة تقوم بعد ذلك بتحويل جزء من هذه الأموال إلى الحكومة الفنزويلية وفق شروط محددة.
وأوضح أن النسبة التي يتم تحويلها غير معروفة، مضيفا: "لا توجد شفافية كافية".
وبموجب هذا النظام، تقدم الحكومة الفنزويلية ميزانياتها إلى الولايات المتحدة للحصول على الموافقة قبل صرف الأموال، وهو ما يمنح إدارة ترامب سلطة فعلية على كيفية إنفاق الموارد العامة داخل البلاد.
ويرى رودريجيز أن هذا النموذج "يشبه الإدارة الاستعمارية"، لأن فنزويلا لم تعد تمتلك حرية التصرف في مواردها الوطنية.

هل تحتفظ واشنطن بجزء من الأموال؟
يثير هذا الملف كثيرا من الجدل بسبب غياب الشفافية، ففي حين أكد ترامب أن الأموال تستخدم في "إدارة البلاد"، ألمح أيضا إلى أن الولايات المتحدة عوضت تكاليف عمليتها العسكرية مرات عديدة من خلال السيطرة على عائدات النفط.
ويرى بنجامين جيدان أن تصريحات ترامب تعطي انطباعا بأن واشنطن قد تحتفظ بجزء من الأموال، لكنه يؤكد أنه لا توجد معلومات موثقة تثبت ذلك.
أما فرانسيسكو رودريجيز، فيقول إنه لا توجد أدلة حتى الآن على قيام الولايات المتحدة بسحب أموال من تلك الحسابات، لكنه يلفت إلى أن أي استخدام لهذه الأموال في الإنفاق الحكومي الأمريكي سيستلزم موافقة الكونجرس وفق القانون الأمريكي.
ولم تقدم وزارة الخارجية الأمريكية توضيحات تفصيلية بشأن آلية إدارة هذه الأموال، بينما أكد ماركو روبيو أمام الكونجرس في يونيو أن شركة KPMG تراجع جميع الإيرادات وعمليات الصرف، وتعهد بتقديم تقرير تدقيق، لكنه لم يُنشر حتى الآن.
هل تتجه فنزويلا إلى الديمقراطية؟
أعلن روبيو في وقت سابق خطة من ثلاث مراحل تشمل تحقيق الاستقرار، ثم التعافي الاقتصادي، وأخيراً الانتقال إلى الديمقراطية.
وأكد أن المرحلة الانتقالية ستبدأ خلال أغسطس عبر محادثات تجمع الحكومة المؤقتة مع ممثلين عن الجمعية الوطنية المنتخبة عام 2015، والتي لا تزال واشنطن تعتبرها آخر سلطة منتخبة بصورة شرعية.
إلا أن الخطة تواجه انتقادات، لأنها لا تشمل زعيمة المعارضة ماريا كورينا ماتشادو، الحائزة على جائزة نوبل للسلام، ولا إدموندو غونزاليس أوروتيا، الذي تعتبره أطراف دولية الفائز الحقيقي في انتخابات 2024 ويعيش حالياً في المنفى بإسبانيا.
كما نفى ترامب مؤخرا قرب إجراء انتخابات، قائلا إن البلاد "ليست مستعدة لذلك بعد"، لكنه أشاد بأداء ديلسي رودريغيز، معتبراً أنها "قامت بعمل رائع".
ويعتقد جيدان أن ترامب ينظر إلى فنزويلا من زاوية اقتصادية أكثر من اهتمامه بمستقبلها السياسي، موضحا أن الرئيس الأمريكي يرى البلاد فرصة لشركات النفط والتعدين الأمريكية، وليس مشروعاً لنشر الديمقراطية.
وأضاف أن واشنطن قدمت دعما سياسيا واضحا لديلسي رودريجيز، من خلال حمايتها من دعاوى قضائية في الولايات المتحدة، والدفاع عنها في صندوق النقد الدولي، وتشجيع دول أخرى على استعادة العلاقات الدبلوماسية معها، دون ربط ذلك بإصلاحات سياسية.
أزمة اقتصادية وإنسانية مستمرة
ورغم السيطرة الأمريكية على مفاصل الاقتصاد الفنزويلي، لم يشهد المواطنون تحسناً ملموساً في أوضاعهم المعيشية، فلا تزال البلاد تعاني من ديون ضخمة، وأعلى معدلات التضخم في العالم، بينما سجل الاقتصاد خلال الربع الأول من عام 2026 أبطأ وتيرة نمو منذ خمس سنوات.
وزادت الزلازل التي ضربت فنزويلا في يونيو الماضي من تعقيد المشهد، بعدما أسفرت عن مقتل أكثر من 5000 شخص وتشريد نحو 18 ألفاً، فضلاً عن انتشار الأمراض داخل مراكز الإيواء المؤقتة.
وقالت كارولينا نيلسون، من منظمة "بروجكت هوب" الإنسانية، إن الفرق الطبية ترصد ارتفاعاً في حالات الإسهال وأمراض الجهاز التنفسي والأمراض الجلدية نتيجة الظروف الصعبة داخل المخيمات.
تكلفة إعادة الإعمار
أرسلت الولايات المتحدة أكثر من ألف عنصر للمشاركة في جهود الإغاثة، كما أعلنت تقديم مساعدات تتجاوز 386 مليون دولار.
لكن البنك الدولي يقدر أن قيمة الأضرار المباشرة التي خلفتها الزلازل تجاوزت 19.6 مليار دولار، فيما قد تتجاوز التكلفة الإجمالية لإعادة الإعمار ضعف هذا الرقم.
ويرى فرانسيسكو رودريجيز أنه إذا كانت الولايات المتحدة تحقق بالفعل مكاسب مالية ضخمة من عائدات النفط الفنزويلي، فمن المنطقي أن تتحمل مسؤولية أكبر في تمويل إعادة إعمار المناطق المنكوبة.
ورغم مساهمة 29 دولة في عمليات الإغاثة، تؤكد المنظمات الإنسانية أن فنزويلا تحتاج إلى دعم طويل الأمد لإعادة بناء البنية التحتية، وإنعاش الاقتصاد، ومساعدة مئات الآلاف من الأسر التي فقدت منازلها ومصادر دخلها، في ظل أزمة تعد من أعقد الأزمات التي شهدتها البلاد خلال العقود الأخيرة.



