في مصر، عندنا أربعة فصول معروفة… الربيع، والصيف، والخريف، والشتاء.
لكن فيه موسم خامس بيظهر فجأة مع كل أزمة أو حادث كبير… اسمه موسم الهري.
أول ما خبر ينزل، تلاقي الخبير طلع من تحت البطانية، والمفكر الاستراتيجي قفل اللابتوب بتاع لعبة الكرة وفتح خرائط الأقمار الصناعية، وخبير القانون الدولي بقى يحلل المعاهدات، وخبير الطاقة بيشرح خطوط الغاز، وكل واحد فيهم واثق من نفسه بنسبة 200%.
المشكلة مش إن الناس بتحلل.
المشكلة إن التحليل عند البعض بيتحول في خمس دقائق إلى “حقيقة مؤكدة”، ثم بعد عشر دقائق إلى “معلومة من مصدر سيادي”، وبعد ربع ساعة يبقى أي حد يقول غير كده يبقى “مش فاهم”.
وفي النهاية… يطلع البيان الرسمي، فتلاقي أصحاب النظريات اختفوا وكأن الإنترنت فصل عندهم.
في حادث ميناء دمياط، كان فيه تسلسل واضح في إعلان المعلومات. بيان أول يعلن ما تم التأكد منه لحظة وقوع الحادث، ثم بيان لاحق بعد ظهور نتائج التحقيقات الأولية. ده مش تناقض… ده ببساطة معنى إن التحقيق شغال، وإن المعلومات بتتحدث مع ظهور الأدلة.
لكن يبدو أن البعض عنده حساسية من كلمة “ننتظر نتائج التحقيق”.
لا… هو لازم يعرف كل حاجة فورًا.
مين؟ وإزاي؟ وليه؟ وإمتى؟ وبأي سلاح؟ وما الهدف؟ وما الرسائل؟ وما السيناريوهات؟ وكل ده قبل ما الجهات المختصة نفسها تنتهي من عملها.
الغريب أن أصحاب الثقة المطلقة دول، لو سألت واحد فيهم عن باسورد الواي فاي في بيته، هيقولك: “مش متأكد”.
لكن في قضايا تمس الأمن القومي… بيتكلم وكأنه كان حاضر الاجتماع.
إدارة الأزمات ليست بثًا مباشرًا لكل ما يدور داخل الغرف المغلقة، وليست سباقًا مع مواقع التواصل لإرضاء فضول الجميع. هناك معلومات يمكن إعلانها فورًا، ومعلومات لا تُعلن إلا بعد التحقق منها، ومعلومات قد لا يكون من المناسب إعلانها أصلًا إذا تعارض ذلك مع مقتضيات الأمن القومي أو سير التحقيقات.
ولعل التجارب علمتنا أن إدارة الملفات الحساسة تحتاج إلى هدوء وحسابات دقيقة، لا إلى ضجيج ولا إلى استعراض على الهواء.
ولا أحد ينسى كيف تحولت اجتماعات تُدار أمام الكاميرات في مراحل سابقة إلى مادة للسخرية، حين اختلطت الشعارات بالارتجال، ودُفعت الدولة إلى مواقف لم يكن من الحكمة أن تُناقش بهذا الشكل العلني.
لسنا بحاجة إلى إدارة أزمة بالصوت العالي، ولا إلى اجتماعات تُذاع على الهواء لإثبات الشفافية.
ما نحتاجه هو مؤسسات تعمل، ومعلومات تُعلن عندما تصبح معلومات مؤكدة، وقرارات تُتخذ بما يحفظ مصالح الدولة.
في النهاية… قد يختلف الناس في الرأي، وهذا طبيعي. لكن ما لا ينبغي أن يصبح طبيعيًا هو تحويل التخمين إلى حقيقة، والشائعة إلى تحليل، والانفعال إلى يقين.
أما نحن، فنثق في مؤسسات الدولة وقدرتها على إدارة الملفات التي تمس الأمن القومي، ونثق أن السنوات الماضية شهدت مواقف وأزمات كثيرة أُديرت بحسابات دقيقة وبعيدًا عن الارتجال، وهو ما يعزز أهمية الاعتماد على المعلومات الرسمية، لا على ضجيج “موسم الهري”.