خبير: إيران تعتمد على الحروب غير المتماثلة لمواجهة التفوق الأمريكي|خاص
أكد الدكتور طارق البرديسي، خبير العلاقات الدولية، أن التصعيد العسكري المتبادل بين الولايات المتحدة وإيران لا يعكس اتجاهًا نحو حرب شاملة، وإنما يمثل وسيلة ضغط متبادل لتحسين شروط التفاوض، مشيرًا إلى أن ما تشهده المنطقة حاليًا هو "ضغط بالنار" واستنزاف محسوب يهدف في النهاية إلى دفع الطرفين نحو طاولة المفاوضات.
تصعيد منضبط
وقال البرديسي إن العمليات العسكرية المتبادلة تأتي في إطار تصعيد منضبط، حيث يسعى كل طرف إلى ممارسة أكبر قدر من الضغوط دون تجاوز الخطوط التي قد تؤدي إلى اندلاع مواجهة إقليمية واسعة، لافتًا إلى أن استمرار قنوات الاتصال غير المباشرة بين واشنطن وطهران يؤكد أن خيار الحل السياسي لا يزال مطروحًا بقوة.
وأوضح أن هذه الاتصالات تتم عبر وسطاء إقليميين ودوليين، من بينهم سلطنة عمان وقطر، إلى جانب وساطات باكستانية، بما يعكس رغبة الجانبين في إبقاء باب التفاوض مفتوحًا رغم التصعيد العسكري.
وأضاف أن قواعد الاشتباك بين الولايات المتحدة وإيران تشهد تغيرًا تدريجيًا، لكنها لا تزال تتحرك تحت سقف واضح يمنع توسيع نطاق الصراع، معتبرًا أن السيناريو الأكثر ترجيحًا يتمثل في استمرار الضغوط العسكرية بالتوازي مع الاتصالات السياسية، وصولًا إلى جولة جديدة من المفاوضات بعد انتهاء مرحلة الضغط الحالية.
نقطة اللاعودة
وشدد خبير العلاقات الدولية على أن الحديث عن وصول الأزمة إلى "نقطة اللاعودة" لا يعكس الواقع، مؤكدًا أن باب العودة إلى المفاوضات سيظل مفتوحًا، لأن تكلفة الحرب الشاملة ستكون باهظة على جميع الأطراف.
وأشار إلى أن أي مواجهة واسعة ستفرض أثمانًا اقتصادية وأمنية كبيرة ليس فقط على الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل، وإنما أيضًا على دول الخليج، موضحًا أن طهران لا تزال تمتلك القدرة على توجيه ضربات قد تؤثر في إسرائيل أو بعض المصالح الحيوية بالمنطقة، وهو ما يدفع جميع الأطراف إلى تجنب التصعيد غير المحسوب.
وفيما يتعلق بالموقف الإسرائيلي، أكد البرديسي أن إسرائيل تواصل سياسة الضغط، لكنها تتحرك في إطار يتوافق مع المصالح الأمريكية، رافضًا ما يتردد بشأن نجاحها في توريط إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الحرب.
وأوضح أن الولايات المتحدة دولة مؤسسات، وأن قراراتها الاستراتيجية ترتبط بحسابات الأمن القومي وأمن الطاقة والممرات البحرية ومصالحها الدولية، وليس نتيجة ضغوط إسرائيلية فقط.
الشرق الأوسط يتحمل بالفعل فاتورة اقتصادية
وأضاف أن الشرق الأوسط يتحمل بالفعل فاتورة اقتصادية متزايدة نتيجة استمرار التصعيد، مع ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين وأسعار الطاقة، إلى جانب حالة من الاستنزاف الاقتصادي، لكنه أشار إلى أن هذه التداعيات لا تزال ضمن حدود يمكن السيطرة عليها في ظل استمرار الانضباط النسبي في مستوى العمليات العسكرية.
وحول ما أثير بشأن وجود خلافات بين بعض دول الخليج والإدارة الأمريكية بسبب استخدام القواعد العسكرية، أوضح البرديسي أنه لا توجد مؤشرات أو تصريحات رسمية تؤكد وجود أزمة بين الجانبين، وإن كانت بعض العواصم الخليجية قد تبدي حالة من الاستياء بسبب شعورها بأن واشنطن لم توفر الحماية الكاملة في ظل تصاعد الهجمات بالمنطقة.
الجيشين الأمريكي والإيراني
وفي تقييمه للقدرات العسكرية الإيرانية، أكد أن المقارنة التقليدية بين الجيشين الأمريكي والإيراني ليست دقيقة، نظرًا للفارق الكبير في الإمكانات الجوية والتكنولوجية والاستخباراتية، موضحًا أن إيران تعتمد على استراتيجية الحروب غير المتماثلة، من خلال الوكلاء والطائرات المسيّرة والهجمات الصاروخية، وهي أدوات تمثل أحد أبرز عناصر قوتها.
واختتم البرديسي تصريحاته بالتأكيد على أن التهديدات الإيرانية باستهداف المنشآت النووية الإسرائيلية لا تزال في إطار الردع والضغط السياسي، محذرًا من أن تنفيذ مثل هذا التهديد سيؤدي إلى اندلاع حرب شاملة وتداعيات أمنية وبيئية خطيرة قد تمتد إلى المنطقة بأكملها، مرجحًا استمرار الالتزام بقواعد الاشتباك الحالية باعتباره الخيار الأكثر واقعية خلال المرحلة المقبلة.