عاجل

حين يُذكر تاريخ بناء الدولة المصرية الحديثة بعد ثورة يوليو، تتجه الأذهان غالبًا إلى قادة السياسة والعسكر، بينما يغيب عن الذاكرة اسم أحد أبرز العقول التي أسهمت في تأسيس مؤسسات لا تزال تؤدي دورها حتى اليوم، وهو الدكتور محمد عبدالقادر حاتم. فقد كان رجل دولة من طراز فريد، جمع بين التكوين العسكري، والعمق الأكاديمي، والرؤية الاستراتيجية، والقدرة على بناء المؤسسات، حتى استحق أن يُلقب بـ"أبو الإعلام المصري والعربي "".

وُلد عبدالقادر حاتم في 3 سبتمبر 1918، وتخرج في الكلية الحربية عام 1939، ثم واصل مسيرته العلمية بحصوله على دبلوم الاقتصاد السياسي، وماجستير في العلوم الاستراتيجية، وماجستير في العلوم السياسية، قبل أن ينال الدكتوراه في الحقوق من جامعة القاهرة. وقد منحته هذه الخلفية العلمية المتنوعة رؤية شاملة جعلته قادرًا على الربط بين الإعلام والسياسة والأمن القومي، وهو ما انعكس على جميع المناصب التي تقلدها لاحقًا.
بدأت حياته العسكرية، لكنها لم تستمر طويلًا بعد تعرضه لحادث خطير أنهى مستقبله في الجيش. إلا أن هذه المحنة تحولت إلى نقطة انطلاق جديدة، إذ استثمر فترة العلاج في الدراسة والبحث، ليجسد عمليًا أن الأزمات قد تصنع أعظم الفرص. ولم يتوقف عند حدود التحصيل العلمي، بل بدأ يكتب مقالات اقتصادية وفكرية في مجلة "روز اليوسف"، طرح فيها أفكارًا سبقت عصرها، من بينها الدعوة إلى إنشاء بنك مركزي مصري وتنظيم الاقتصاد الوطني وتحقيق الاكتفاء الذاتي الغذائي، وهي أفكار تحولت فيما بعد إلى سياسات واقعية.
كان إيمان عبدالقادر حاتم بأن الإعلام جزء من منظومة الأمن القومي هو الأساس الذي بنى عليه مشروعه الكبير. ففي خمسينيات القرن الماضي اقترح إنشاء أول وزارة للإعلام في مصر والعالم العربي، كما أسهم في تأسيس وكالة أنباء الشرق الأوسط، وأنشأ مصلحة الاستعلامات، وطور الإذاعة المصرية حتى أصبحت تبث بأربع وثلاثين لغة، وأنشأ إذاعة الشرق الأوسط وإذاعة القرآن الكريم، لتتحول مصر إلى مركز إعلامي مؤثر في المنطقة. ولم يكن هدفه مجرد زيادة عدد الوسائل الإعلامية، بل بناء إعلام وطني قادر على مخاطبة الداخل والخارج بكفاءة ومهنية.
ومن أبرز إنجازاته أيضًا تأسيس التلفزيون المصري عام 1960. فقد واجه المشروع اعتراضات عديدة بسبب ضعف الإمكانات المالية، لكنه ابتكر وسيلة لتمويله من خلال فتح باب الحجز المسبق لأجهزة التلفزيون، فجمع المواطنون خلال أيام قليلة الأموال اللازمة، ليخرج المشروع إلى النور بتمويل وطني خالص، ويصبح أحد أهم المشروعات الإعلامية في تاريخ مصر.

ولم تتوقف بصماته عند الإعلام، فقد تولى وزارات الإعلام والثقافة والسياحة في وقت واحد، وهي سابقة لم تتكرر. وخلال هذه المرحلة أسس الهيئة السينمائية الوطنية، وأنشأ دور النشر والمكتبات العامة، وشجع ترجمة روائع الفكر العالمي، وأسهم في إنقاذ صناعة السينما المصرية، كما وضع أسس تطوير السياحة الحديثة، واقترح إنشاء عشرات الفنادق والمدن الجديدة، وأسهم في تحويل الغردقة إلى مدينة سياحية عالمية، إضافة إلى دوره في حملة إنقاذ معبدي أبو سمبل من الغرق بعد بناء السد العالي.
غير أن الفصل الأبرز في مسيرته كان خلال الإعداد لحرب أكتوبر 1973. فقد كلفه الرئيس أنور السادات برئاسة الحكومة بالنيابة، وأسند إليه مسؤولية إعداد الدولة للحرب، وهي مهمة لم تقتصر على الجوانب الإدارية، بل شملت إدارة الجبهة الداخلية، والإعلام، والخداع الاستراتيجي، وتأمين احتياجات الدولة أثناء المعركة. وقد أدرك عبدالقادر حاتم أن الانتصار العسكري لن يتحقق إلا إذا سبقه انتصار في معركة المعلومات والعقول.

ومن هنا وضع استراتيجية متكاملة للخداع الاستراتيجي، اعتمدت على السرية المطلقة، والسيطرة الكاملة على تدفق المعلومات، وإقناع إسرائيل والعالم بأن مصر لا تنوي خوض الحرب. وشملت الخطة حملات إعلامية موجهة للخارج، وإذاعة باللغة العبرية، وإجراءات دبلوماسية واقتصادية وعسكرية هدفت جميعها إلى تضليل أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية، حتى فقدت القدرة على التمييز بين التحركات الحقيقية والأنشطة الروتينية.
وعندما جاءت ساعة الصفر في السادس من أكتوبر، تبدلت السياسة الإعلامية بالكامل، فأصدر تعليماته بأن يكون شعار الإعلام هو "الصدق ولا شيء غير الصدق"، مع الابتعاد عن المبالغة والخطابة التي أضرت بمصداقية الإعلام بعد هزيمة 1967. كما حرص على توفير احتياجات المواطنين ومنع ظهور الطوابير أو مظاهر الذعر، حفاظًا على تماسك الجبهة الداخلية، وهو ما أشاد به الرئيس السادات لاحقًا باعتباره أحد عوامل نجاح الدولة أثناء الحرب.
ولم تكن نتائج هذه الاستراتيجية محل تقدير المصريين فقط، بل اعترف بها الخصوم أنفسهم. فقد أكد رئيس الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية إيلي زعيرا أن حملة الخداع الإعلامية المصرية كانت من أكبر أسباب نجاح مصر في حرب أكتوبر، بينما وصف هنري كيسنجر خطة التعتيم الإعلامي بأنها "معجزة"، وأقر الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون بفشل أجهزة الاستخبارات الأمريكية والإسرائيلية في توقع موعد الهجوم.

رحل الدكتور محمد عبدالقادر حاتم عام 2015 بعد أكثر من أربعة عقود من العمل العام، تاركًا وراءه عشرات المؤسسات والمشروعات التي أصبحت جزءًا من بنية الدولة المصرية الحديثة. لقد أثبت أن بناء الأمم لا يعتمد فقط على السلاح، بل يحتاج أيضًا إلى الفكر، والإعلام، والثقافة، والإدارة الرشيدة. ولهذا يبقى عبدالقادر حاتم واحدًا من أبرز مهندسي القوة الناعمة المصرية، وأحد الشخصيات التي تستحق أن تُستعاد سيرتها بوصفها نموذجًا لرجل الدولة الذي صنع الإنجازات بصمت، وترك أثرًا تجاوز حدود زمانه.

 وعندما سُئل : كيف استطعت إنجاز كل هذا؟ وكيف كنت تدير كل هذه المؤسسات؟ أجاب بكلمتين تلخصان فلسفته في القيادة والإدارة: "الإدارة بالحب". رحم الله الدكتور محمد عبدالقادر حاتم، الذي أثبت أن أعظم الإنجازات لا تصنعها السلطة وحدها، بل يصنعها الإخلاص، والإنسان، والمحبة.

تم نسخ الرابط