عاجل

«ملجأ يوم القيامة».. جولة داخل حصن إسرائيل لإدارة الأزمات من تحت الجبال

ملجأ يوم القيامة
ملجأ يوم القيامة

في خطوة أثارت العديد من التساؤلات، تقرر عقد اجتماعات الحكومة الإسرائيلية والمجلس الوزاري الأمني المصغر (الكابينت)، الأحد، داخل "المركز الوطني لإدارة الأزمات" المعروف باسم "هامنال" أو "البونكر"، وهو أحد أكثر المنشآت الحكومية الإسرائيلية تحصينًا وسرية، رغم عدم تعرض تل أبيب حاليًا لأي هجمات مباشرة.

ونقلت صحيفة "تايمز أوف إسرائيل" عن مسؤول إسرائيلي أن بنيامين نتنياهو عقد أولًا اجتماعًا للحكومة، ثم اجتماع للكابينت الأمني، داخل المجمع المحصن الواقع تحت جبال القدس المحتلة، وذلك قبل توجهه المرتقب إلى واشنطن للقاء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

ويعد استخدام هذا المقر في هذا التوقيت لافتًا، إذ اعتادت إسرائيل اللجوء إليه خلال فترات التصعيد العسكري، مثل الحرب على قطاع غزة، أو تبادل الضربات مع حزب الله وإيران خلال عامي 2024 و2025، وليس في أوقات الهدوء النسبي.

ما هو "ملجأ يوم القيامة"؟

يعرف "هامنال"، أو "ملجأ يوم القيامة" بأنه المركز الوطني الإسرائيلي لإدارة الأزمات، وهو مركز قيادة وسيطرة استراتيجي صُمم لضمان استمرار عمل الحكومة الإسرائيلية في حالات الحرب الشاملة أو الهجمات الصاروخية أو النووية أو الكيميائية أو البيولوجية، إضافة إلى الكوارث الطبيعية والهجمات السيبرانية.

ووصفته مجلة The War Zone بأنه "ملجأ يوم القيامة" الإسرائيلي، نظرًا إلى مستوى التحصين الذي يتمتع به، مشيرة إلى أن تصميمه الداخلي يشبه منشآت الخيال العلمي.

ويقع المجمع في أعماق تلال القدس المحتلة، بالقرب من الحي الحكومي الذي يضم الكنيست، ومكتب رئيس الوزراء، ووزارة الخارجية، والمحكمة العليا، وعددًا من المؤسسات الحكومية الرئيسية.

فكرة المشروع

بدأت فكرة إنشاء البونكر عام 2002، عندما أصدر رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك أريئيل شارون تعليماته بإنشاء مقر حكومي محصن تحت الأرض يتيح استمرار إدارة الدولة في أسوأ السيناريوهات.

وكُلف السكرتير العسكري لشارون في ذلك الوقت، يوآف غالانت، الذي أصبح لاحقًا وزيرًا للجيش، بالمشاركة في وضع المواصفات الداخلية للمنشأة.

وبعد الانتقادات التي وُجهت إلى أداء القيادة السياسية والعسكرية خلال حرب لبنان الثانية عام 2006، قررت حكومة إيهود أولمرت عام 2007 توسيع المشروع وتحويله إلى مركز قومي متكامل لإدارة الأزمات، قبل افتتاحه رسميًا عام 2011.

تحصين ضد كل التهديدات

صُمم المركز ليقاوم مجموعة واسعة من الأخطار، تشمل:

  • الهجمات النووية.
  • الأسلحة الكيميائية.
  • الأسلحة البيولوجية.
  • الهجمات الصاروخية التقليدية.
  • الزلازل.
  • الهجمات الإلكترونية.

ويفترض أن يستوعب عمل الحكومة الإسرائيلية والهيئات المدنية المختلفة خلال حالات الطوارئ الكبرى والحروب الشاملة، مع استمرار عمل مؤسسات الدولة دون انقطاع.

تعتيم أمني مشدد

رغم الاعتراف بوجوده، لا تزال معظم تفاصيل "هامنال" خاضعة لرقابة أمنية صارمة، وبحسب موقع JDN، لا توجد معلومات رسمية موثقة عن عمقه الحقيقي أو عدد طوابقه أو غرفه، كما يُحظر نشر موقعه الدقيق.

وتخضع إجراءات الدخول إلى المجمع لتدابير أمنية استثنائية، إذ يُطلب من جميع الداخلين ترك هواتفهم المحمولة عند المدخل، ولا تعمل شبكات الهاتف المحمول داخل المنشأة.

وتشير تقارير إسرائيلية إلى أن البنية التقنية للمركز تجعل التنصت على الاجتماعات داخله شبه مستحيل، مع الاعتماد على أنظمة اتصالات مشفرة ومستقلة تتيح التواصل مع مختلف الجهات الحكومية والعسكرية.

كما يُقارن الموقع أحيانًا بمجمع "الكريا" في تل أبيب، مقر وزارة الجيش الإسرائيلية، إلا أن الوصول إلى "هامنال" يقتصر على عدد محدود للغاية من كبار المسؤولين السياسيين والأمنيين.

"سفينة نوح العصر الحديث"

أطلقت صحيفة يديعوت أحرونوت على المشروع وصف "سفينة نوح العصر الحديث"، مشيرة إلى أن الهدف منه هو ضمان استمرار إدارة الدولة مهما بلغت شدة الكوارث أو الحروب، ولا توجد أرقام رسمية لتكلفة المشروع، إلا أن تقارير إسرائيلية قدرتها بمليارات الشواكل، ليصبح أحد أكثر مشاريع التحصين الحكومية تكلفة في تاريخ إسرائيل.

وتوزعت النفقات على:

  • أعمال الحفر العميقة داخل الجبال.
  • أنظمة الحماية من الهجمات النووية والكيميائية والبيولوجية.
  • شبكات الاتصالات المستقلة المؤمنة ضد الاختراقات السيبرانية.
  • مراكز القيادة والتحكم الرقمية.
  • إنشاء مرافق معيشية تسمح بإقامة مئات الأشخاص لفترات طويلة تحت الأرض.

كما استند تصميم المشروع، وفقًا ليديعوت أحرونوت، إلى نماذج المدن والمنشآت الأمنية المحصنة الموجودة في الولايات المتحدة.

مدينة متكاملة تحت الأرض

يضم المركز جميع المرافق الأساسية اللازمة لاستمرار عمل الحكومة لفترات طويلة، من بينها:

  • غرف نوم.
  • مكاتب عمل.
  • قاعات اجتماعات.
  • غرفة طعام كبيرة.
  • مرافق خدمية متكاملة.
  • أنظمة دعم للحياة والاتصالات.

وتشير التقارير إلى أن أكثر من 95% من المنشأة يقع تحت الأرض، ولا يمكن الوصول إليها إلا بواسطة مصاعد سريعة.

ونقلت يديعوت أحرونوت عن أحد الأشخاص الذين زاروا الموقع بعد اكتماله قوله: "عندما تهبط بالمصاعد إلى الأعماق تشعر وكأنك داخل فيلم خيال علمي، وهناك تشعر بانفصال كامل عن العالم الخارجي".

كما لا يُسمح للوزراء باصطحاب مساعديهم ومستشاريهم إلى داخل المجمع، ما يجعل الاجتماعات مقتصرة على المسؤولين المعنيين فقط.

متى استخدمته إسرائيل؟

رغم أن المركز أُنشئ لإدارة الحروب والأزمات، فإن استخدامه ظل محدودًا لسنوات، فخلال الأشهر الأولى من الحرب على قطاع غزة بعد هجوم السابع من أكتوبر 2023، عُقدت معظم الاجتماعات الأمنية داخل مجمع "الكريا" في تل أبيب، وليس في "هامنال".

إلا أن المركز استُخدم في عدد من المحطات البارزة، أبرزها:

  • إصدار بعض القرارات الأمنية خلال عملية "الجرف الصامد" في غزة عام 2014.
  • تشغيله خلال جائحة كورونا لإدارة الأزمة الصحية.
  • استضافة اجتماعات أمنية خاصة بملف المحتجزين خلال الحرب على غزة.
  • عقد اجتماعات استراتيجية أثناء المواجهات مع حزب الله وإيران.
  • اجتماع للكابينت خلال الهجوم الصاروخي الإيراني واسع النطاق على إسرائيل، بينما بقيت قيادة الجيش داخل مجمع "الكريا".
صورة نشرها نتنياهو من مكتبه في الملجأ الحكومي تحت الأرض عبر منصة إكس

وفي يونيو 2025، وخلال جولة التصعيد مع إيران، نشر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو صورة من داخل غرفة العمليات السرية بالمركز، ظهر فيها كتاب بعنوان "الهدف طهران"، ما أعاد تسليط الضوء على هذا المقر شديد السرية.

وينظر إلى "هامنال" اليوم باعتباره غرفة القيادة الأخيرة للدولة الإسرائيلية في حال اندلاع حرب واسعة أو تعرض البلاد لهجوم استراتيجي، إذ صُمم ليضمن استمرار عمل القيادة السياسية والعسكرية حتى في أكثر السيناريوهات خطورة.

تم نسخ الرابط