عاجل

لآلاف السنين، وقفت شجرة الجميز شاهدة على تاريخ مصر؛ فقد ظللت الطرق والحقول، ومنحت ثمارها للمارة، وحفظت في جذورها جزءًا من ذاكرة هذا الوطن. نجت من تقلبات الزمن، ومن التغيرات البيئية، لكنها تواجه اليوم أخطر تهديد في تاريخها، إذ تتراجع أعدادها تدريجيًا حتى باتت مهددة بالاختفاء من الأرض التي ازدهرت فيها منذ آلاف السنين.

كانت شجرة الجميز في مصر القديمة جزءًا من الحياة اليومية، ومن أكثر الأشجار تقديسًا؛ فقد ارتبطت بعدد من الربات اللاتي كن يقدم الماء والغذاء والحماية والحياة الأبدية للمتوفى. كما كان خشبها من أهم الأخشاب المستخدمة في صناعة التوابيت والتماثيل والأثاث. وشكل تين الجميز مصدرًا غذائيًا موسميًا مهمًا؛ إذ كان يُستهلك طازجًا أو مجففًا، ويُقدّم أحيانًا ضمن القرابين الجنائزية. ولأن ثماره تتطلب تقنية إنضاج معروفة منذ القدم تقوم على شقها شقًا خفيفًا لتحفيز نضجها، فقد وثّق المصريون القدماء هذه الممارسة في مناظر المقابر، مصورين عمالًا متخصصين في جمع الثمار وتجهيزها. كما كانت عصارة الشجرة ذات قيمة علاجية، إذ استُخدمت في علاج بعض الأمراض الجلدية والمساعدة على التئام الجروح.

أما على المستوى الاجتماعي، فتشير بردية تضم أغاني حب من عصر الدولة الحديثة، ومحفوظة حاليًا في المتحف المصري بتورينو، إلى أن شجرة الجميز كانت تُقام في ظلها الحفلات، مما يعكس مكانتها في الحياة الاجتماعية للمصريين القدماء.

ولم يقتصر حضور الجميز على مصر القديمة، بل ظل حاضرًا في الذاكرة الشعبية المصرية. ففي قرى الدلتا والصعيد كانت أشجار الجميز ملتقى للأهالي ومكانًا للمناسبات، حتى غدت جزءًا من الفلكلور والأمثال الشعبية. ومن أشهر هذه الأمثال: "الطول عَ النخل، والتِّخَن عَ الجميز"، ويُضرب للتقليل من شأن من يتباهى بصفة لا ينفرد بها؛ فكما أن طول القامة ليس حكرًا على النخيل، فإن الضخامة والقوة ليستا حكرًا على شجرة الجميز.

كما اكتسبت شجرة الجميز مكانة خاصة في التراث المسيحي، إذ ارتبطت بالشجرة التي يُروى أنها ظللت السيدة مريم العذراء والسيد المسيح عليهما السلام خلال رحلة العائلة المقدسة إلى مصر. ولا تزال شجرة مريم القائمة في حي المطرية بالقاهرة شاهدًا على هذا الإرث الديني والتاريخي.

وإلى جانب هذه المكانة التاريخية، لا تزال شجرة الجميز تؤدي دورًا بيئيًا بالغ الأهمية؛ فظلتها الواسعة تُلطّف درجات الحرارة، وتدعم التنوع البيولوجي، وتُثبّت التربة، وتُسهم في عزل الكربون.

ورغم هذه القيمة، وبعد أن صمدت شجرة الجميز لآلاف السنين، فإنها تواجه اليوم تحديات غير مسبوقة. فقد تراجعت أعداد الأشجار بصورة ملحوظة نتيجة مجموعة من العوامل، في مقدمتها اختفاء الملقّح الطبيعي للشجرة من مصر، وهو نوع من الدبابير تعتمد عليه في إنتاج بذور قابلة للإنبات، مما أدى إلى توقف التجدد الطبيعي والاعتماد على التكاثر الخضري. كما أسهم التوسع العمراني، وتراجع المساحات الزراعية، في انحسار وجودها في العديد من المناطق.

ورغم هذه التحديات، لا تزال هناك مبادرات تستحق التقدير. فقد عمل المركز الأمريكي للبحوث في مصر (ARCE) على إعادة زراعة الأشجار التاريخية في البر الغربي بالأقصر، ومن بينها الجميز. كما شهدت مدينة رشيد مشروعًا يربط زراعة الجميز بالتكيف مع تغير المناخ، وكان من أهداف المشروع إحياء المعارف البيئية التقليدية ونقلها بين الأجيال. غير أن هذه المبادرات، على أهميتها، تظل جهودًا محدودة لا يمكن أن تعوض غياب استراتيجية وطنية شاملة لحماية هذا الإرث الطبيعي.

إن شجرة الجميز ليست مجرد شجرة معمرة، بل أثر حيّ يربط مصر الحديثة بحضارتها القديمة. فهي التي ظللت المعابد، وصُنعت من خشبها توابيت الملوك، وأطعمت أجيالًا من المصريين، وظلت قرونًا طويلة رمزًا للعطاء والصمود والاستمرارية. وحين نفقدها، فإننا لا نفقد نوعًا نباتيًا فحسب، بل نفقد جزءًا من ذاكرتنا الثقافية وهويتنا الوطنية.

ومن هنا، فإن حماية شجرة الجميز يجب أن تتحول إلى مشروع وطني تتبناه الدولة، تقوده وزارة البيئة بالتنسيق مع وزارات الزراعة والسياحة والآثار والتنمية المحلية، وبمشاركة منظمات المجتمع المدني. ويبدأ ذلك بحصر الأشجار المعمرة وتوثيقها، ومنحها حماية قانونية باعتبارها جزءًا من التراث الطبيعي والثقافي لمصر، إلى جانب إطلاق برامج لإكثار السلالات المحلية، وإدراج الجميز ضمن خطط التشجير والتخطيط العمراني، والتوسع في زراعته بالمواقع الأثرية وعلى امتداد مسار العائلة المقدسة، مع نشر الوعي بقيمته البيئية والتراثية، ليعود جزءًا أصيلًا من المشهد المصري كما كان عبر آلاف السنين.

إن حماية شجرة الجميز ليست ترفًا بيئيًا، ولا مجرد مشروع لتجميل الطرق والحدائق، بل هي استثمار في هوية مصر وتاريخها ومستقبلها البيئي. وإذا كانت الحضارة المصرية قد حافظت على هذه الشجرة آلاف السنين، فمن المؤسف أن تكون الأجيال الحالية هي التي تسمح باختفائها.

لذلك، نوجّه نداءً إلى وزارة البيئة، بالتنسيق مع الوزارات والجهات المعنية، لإطلاق برنامج وطني عاجل لحماية أشجار الجميز وإعادة انتشارها، باعتبارها ثروة بيئية وتراثًا طبيعيًا وثقافيًا لا يمكن تعويضه. فالحفاظ على الجميز ليس حفاظًا على شجرة فحسب، بل هو حفاظ على شاهدٍ حيّ من تاريخ مصر، وجزءٍ أصيل من هويتها، وإرثٍ يستحق أن ينتقل إلى الأجيال القادمة.

أنقذوا شجرة الجميز... فهي إرث الأجيال القادمة.

تم نسخ الرابط