تنسب كلمة الخوارزميات للعالم المسلم محمد بن موسى الخوارزمي الذي عاش في العصر العباسي (780-850م ) الذي يعد من أعظم علماء الرياضيات في الحضارة الإسلامية ، وله كتاب شهير ( الكتاب المختصر في حساب الجبر والمقابلة ) الذي وضع فيه الأسس المنهجية لعلم الجبر ، وكان له دوره في تطوير علوم الرياضيات في العالم ، وترجم إلى اللغات اللاتينية ،ولا يزال أثر هذا الكتاب حاضرًا في العلوم المعاصرة؛ فالمبادئ المنهجية التي وضعها الخوارزمي لحل المسائل خطوةً بخطوة تعد من الجذور الفكرية لمفهوم الخوارزمية (Algorithm) في علوم الحاسب والذكاء الاصطناعي، كما أن اسمه نفسه أصبح أصل المصطلح العالمي ( الخوارزميات) .
والخوارزميات هي مجموعة محددة ومنظمة من الخطوات أو التعليمات المنطقية والمتسلسلة تستخدم لحل مشكلة معينة أو تنفيذ مهمة محددة أو الوصول إلى نتيجة في عدد محدود من الخطوات ، ولم تعد مجرد أدوات رياضية، بل أصبحت القلب النابض للتقنيات الرقمية الحديثة، فهي تديرمحركات البحث ، ومنصات التواصل الاجتماعي وتطبيقات الذكاء الاصطناعي وغيرها من المجالات .
وتعمل الخوارزميات في شبكات التواصل الاجتماعي عن طريق مجموعة من التعليمات الرياضية والبرمجية التي تحلل مليارات البيانات لحظيا، ثم تتخذ قرارات بشأن المحتوى الأكثر قابلية للانتشار ، وتجمع البيانات المتعلقة بالمشاهدة والتفاعل بأشكاله المتعددة ، والمحتوى الذي يحظى بنسبة مشاهدة عالية أي كثرة المشاهدات، و سرعة انتشار المحتوى، وكثافة التفاعل خلال فترة زمنية قصيرة، وتنوع الجمهور المتفاعل، ومعدل إعادة المشاركة، واستمرارية النقاش حول الموضوع وتصنع منه ما يسمى ب ( الترند ) ولهذا قد يتحول مقطع فيديو أو خبر عابر إلى قضية رأي عام خلال ساعات، بينما تمر موضوعات أكثر أهمية دون أن تحظى بالاهتمام نفسه.
والترند إذن لا تصنعه الخوارزميات ، بل يصنعه منتجو المحتوى والمستخدمون في منصات التواصل الاجتماعي ، والخوارزميات تخبرنا أن هذا المحتوى أصبح كثيف المشاهدة والتفاعل ( ترند ) حتى ولو كان تافها أو منافيا للقيم والجوانب الأخلاقية .
لذا برزت الحاجة إلى محاولة إصلاح الخلل في تقديم المحتوى غير ذي القيمة وجعله ( ترند ) لأنه غالبا يدور حول المحتوى ذي القدرة على إثارة الجدل والإثارة ، والأكثر قدرة على جذب المستخدمين لمشاهدته والتفاعل معه ، لذا يطالب المتخصصون ب ( حوكمة الخوارزميات ) وذلك من خلال الضغط على الشركات الكبرى المالكة لمنصات التواصل الاجتماعي ، ومحاولة سن تشريعات تلزم شركات التكنولوجيا بمزيد من الشفافية، وتمكين المستخدمين من فهم أسباب ظهور المحتوى، وإخضاع الأنظمة الخوارزمية للمراجعة والتدقيق المستقل.
إذن ليس كل محتوى رائج ( ترند ) بالضرورة يكون معبرا بشكل حقيقي عن اهتمامات الرأي العام ، لأن بعض منتجي المحتوى أصبح لديهم القدرة على إرضاء الخوارزميات من خلال التركيز على الإثارة والجدل بغض النظر عن تقديم المحتوى المفيد لمستخدمي تلك المنصات ، ونحن بحاجة حقيقية إلى تحقيق التوازن بين الابتكار وحرية التعبير من جهة، وحماية المجتمع من التضليل والاستقطاب والتلاعب بالرأي العام من جهة أخرى، لتقديم النافع والمفيد إلى المجتمع ، وصدق الله العظيم إذ يقول : ( فأما الزبد فيذهب جفاء ، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض ) صدق الله العظيم .