عاجل

لم يعد الساحل الشمالي مجرد مكان نذهب إليه في الصيف، فعند بعض الناس صار إعلانًا اجتماعيًا، والمهم ليس فقط أن تذهب، بل أن يعرف الناس أنك ذهبت.

صورة من الطريق، وأمام البحر، ومن داخل الكومباوند، وصورة للسيارة، وصورة للمطعم والطعام والملابس والساعة.. حتى يصبح اليوم كله مجموعة من الصور، ويصبح صاحبه مشغولًا بإثبات أنه يعيش، أكثر مما هو مشغول بأن يعيش فعلًا.

تفتح هاتفك فتجد حياة مختلفة تمامًا عن الحياة التي يعرفها أغلب الناس: بحر دائم، ومطاعم ممتلئة، وسيارات فارهة، وبيوت واسعة، وملابس جديدة، وسفر مستمر، وابتسامات لا تتوقف! لكن هذه ليست الحياة كلها، بل أفضل لحظات الحياة التي اختار أصحابها أن يروها للآخرين.

وهنا المشكلة؛ لأن السوشيال ميديا جعلت الناس تعرض الجزء الجميل من يومها ثم تترك الآخرين يصدقون أن هذا هو اليوم كله. فصورة واحدة أمام البحر يمكن أن تخفي أسبوعًا من المعاناة، وصورة سيارة جديدة يمكن أن تخفي سنوات من الديون، وعشاء في مطعم غالٍ يمكن أن يكون مجرد ليلة واحدة في حياة مليئة بالقلق، لكن الصورة لا تقول كل ذلك، فالصورة تقول فقط: "تابعوني".

وهذا هو الجانب المزعج في الموضوع: أن بعض الناس لم يعد يذهب إلى الساحل ليستمتع بالبحر، بل ليؤكد أنه يستطيع الذهاب، ولم يعد يدخل الكومباوند لأنه يحب المكان فقط، بل لأن الاسم نفسه أصبح جزءًا من صورته أمام الآخرين، ولم تعد السيارة مجرد وسيلة للانتقال، بل أصبحت أحيانًا طريقة لتقديم النفس.

حتى الطعام دخل في الحكاية: طبق غالٍ ومطعم معروف وصورة من زاوية معينة وعبارة قصيرة تجعل الوجبة تبدو كأنها حدث تاريخي! وأحيانًا أشعر أن بعض الناس لا يأكلون الطعام بل يصورونه أولًا، ثم يتناولونه بعد أن يحصل على موافقة الجمهور.

المشكلة ليست في أن تأكل في مطعم جيد، ولا في أن تملك سيارة جيدة، وأن تقضي إجازتك في مكان جميل، فمن حق الإنسان أن يستمتع بثمرة تعبه.

المشكلة تبدأ عندما يصبح كل ما تملكه وسيلة لقياس الناس، وهنا تظهر "النطاعة الطبقية". واحد يرى أن المكان الذي يسكن فيه يجعله أفضل من غيره، وآخر يرى أن سيارته تمنحه حق التعامل مع الناس من فوق، وثالث يعتقد أن الملابس التي يرتديها تضعه في مستوى مختلف، ورابع لا يملك شيئًا مهمًا، لكنه يتعامل مع الآخرين كأنه عضو في مجلس إدارة العالم!

الطبقية في مصر ليست دائمًا مرتبطة بالمال وحده، فهناك طبقية المكان، وطبقية التعليم، وطبقية الاسم، وطبقية العلاقات، وطبقية الشهرة، وهناك طبقة جديدة صنعتها السوشيال ميديا: طبقة من يملك القدرة على الظهور.

أصبح الشخص الذي يعرف كيف يعرض حياته يبدو أحيانًا أكثر نجاحًا من شخص ناجح فعلًا، لكنه لا يعرف أو لا يريد أن يعرض كل شيء. وهذه مشكلة حقيقية؛ لأن الإنسان بدأ يقارن حياته الحقيقية بحياة الآخرين المعروضة على الشاشة.

يرى شابًا في الساحل فيشعر أن حياته أقل، ويرى سيارة فيشعر أنه تأخر، ويرى بيتًا فيشعر أن بيته صغير، ويرى سفرًا فيشعر أنه لم يعش، ويرى صورة مثالية لأسرة فيبدأ في الشك في أسرته.. وهو لا يعرف أن الصورة قد تكون كذبة كاملة، أو على الأقل جزءًا صغيرًا جدًا من الحقيقة.

نحن نرى السيارة ولا نرى القسط، ونرى الشاليه ولا نرى ثمنه، ونرى السفر ولا نرى ما تم تأجيله من أجل السفر، ونرى الملابس ولا نرى القلق، ونرى الابتسامة ولا نعرف ما حدث قبل التقاط الصورة بثوانٍ.. ومع ذلك نصدق، ثم ندخل السباق.

والمشكلة أن السباق لا ينتهي؛ فدائمًا هناك سيارة أغلى، ومكان أغلى، وسفر أكثر، وبيت أكبر، ومطعم أحدث.. وحتى من يملك الكثير يمكن أن يشعر بأنه لا يملك شيئًا إذا ظل يقارن نفسه بمن يملك أكثر.

وهكذا تتحول الحياة إلى عرض مستمر؛ فلا يكفي أن تكون سعيدًا بل يجب أن تبدو سعيدًا، ولا يكفي أن تنجح بل يجب أن تثبت نجاحك، ولا يكفي أن تملك بل يجب أن يعرف الآخرون أنك تملك.. وهنا تضيع القيمة الحقيقية.

فالمال يمكن أن يمنح الأسرة بيتًا أفضل، وتعليمًا أفضل، ورعاية أفضل، وتجارب أوسع، وهذا كله جيد، بل إن استخدام المال في بناء حياة أكثر راحة ومعرفة ووعيًا شيء محترم، لكن المال لا يضيف قيمة حقيقية إذا تحول إلى مجرد استعراض.

يمكن أن تشتري لأبنائك تعليمًا ممتازًا لكنك لا تستطيع شراء الوعي بدلًا منهم، ويمكن أن تسافر بهم إلى كل دول العالم لكنك لا تستطيع أن تضمن أنهم سيفهمون العالم، ويمكن أن تضعهم في أفضل الأماكن لكنك لا تستطيع أن تجعلهم أفضل من الآخرين بالمال وحده.

وهنا تظهر مسؤولية الأسرة: أن يتعلم الأبناء أن السيارة ليست شخصية، وأن الماركة ليست قيمة، وأن عنوان البيت لا يحدد قيمة سكانه، وأن الإنسان لا يصبح أفضل لأنه جلس في مكان لا يستطيع غيره الجلوس فيه، والأهم أن يعرفوا أن النجاح ليس في أن يعيش الإنسان أفضل من غيره، بل في أن يعيش أفضل مما كان عليه.

هذه فكرة صعبة في زمن المقارنات؛ لأن السوشيال ميديا تقول لك طوال الوقت إنك متأخر، فهناك دائمًا شخص يسافر أكثر منك، ويملك أكثر منك، ويظهر أكثر منك.. لكن الحياة ليست مسابقة صور.

قد يكون شخص يعيش في بيت بسيط، لكنه يملك معرفة واسعة، ووعيًا حقيقيًا، وأسرة متماسكة، وضميرًا مرتاحًا.. وقد يكون شخص آخر محاطًا بكل مظاهر الرفاهية، لكنه لا يستطيع الجلوس مع نفسه نصف ساعة من دون هاتف.

أي حياة أفضل؟

لا توجد إجابة جاهزة، لكن المؤكد أن الأشياء لا تمنح الإنسان قيمة تلقائيًا.

البيت لا يصنع أسرة، والسيارة لا تصنع شخصية، والمطعم لا يصنع ذوقًا، والسفر لا يصنع معرفة، والمال لا يصنع تاريخًا.. فالإنسان هو الذي يعطي لما يملك معنى.

يمكن أن تجعل من بيتك مكانًا دافئًا، أو مجرد عنوان للتفاخر، ويمكن أن تجعل من مالك فرصة لتعليم أبنائك، أو وسيلة لتعليمهم احتقار الآخرين، ويمكن أن تجعل من نجاحك مصدرًا للامتنان، أو سببًا للنظر إلى الناس من أعلى.

في النهاية، لا أحد يطلب من الناس أن يعيشوا أقل من قدرتهم، ولا أحد مطالب بأن يعتذر عن نجاحه أو يخفي ما يملك، لكن هناك فرقًا بين أن تستمتع بما تملك، وبين أن تحتاج إلى أن يراك الناس وأنت تملك.. والفرق بين الاثنين هو المسافة كلها.

أن تذهب إلى الساحل وتستمتع هذه حياة، وأن تذهب إلى الساحل لتثبت أنك ذهبت هذه حكاية أخرى.

أن تشتري سيارة لأنك تحتاج إليها أو تحبها، هذا طبيعي، لكن أن تصبح السيارة هي الشيء الذي يخبر الناس من أنت، فهذه مشكلة.

وأن تأكل في مطعم جيد شيء جميل، لكن أن تحتاج إلى صورة للطعام حتى تشعر أن الوجبة اكتملت، فهنا علينا أن نسأل أنفسنا: هل نحن نعيش فعلًا، أم ننتظر أن يرانا الآخرون ونحن نعيش؟

ربما تكون أكبر مشكلة في هذا الزمن أن الناس لم تعد تكتفي بأن تكون سعيدة، بل تريد أن تبدو سعيدة، ولم تعد تكتفي بأن تنجح، بل تريد أن يصدق الآخرون أنها ناجحة.

وهنا، وسط كل هذا العرض، يصبح الإنسان أحيانًا مجرد متفرج على حياته، يملك أشياء كثيرة لكنه لا يعرف ماذا يفعل بها.

والأهم من كل ما نملك أن نعرف قيمته وأن نعرف قيمتنا بعيدًا عنه؛ لأن من يملك الأشياء ويعرف قيمتها يعيش، أما من يحتاج إلى الأشياء كي يشعر بقيمته، فغالبًا لا يملكها وحده..

هي التي تملكه، وهذه هي النطاعة الطبقية.

تم نسخ الرابط