عاجل

​في العمل الصحفي المتخصص في الملف الصحي، تمر أمامك يوميًا عشرات الاستغاثات القادمة من المرضى وذويهم؛ بعضها ينتهي بتدخل سريع، وبعضها يكشف عن أزمة أعمق من مجرد نقص دواء أو سرير أو جهاز طبي. الأزمة الحقيقية في كثير من الأحيان تكون في طريقة إدارة الخدمة الصحية، وفي غياب الإحساس بأن المريض هو محور المنظومة بأكملها.
​الصورة ليست واحدة؛ هناك مديرو مستشفيات وأطباء وأطقم تمريض يعملون ليلًا ونهارًا، ويبذلون كل ما لديهم رغم محدودية الإمكانيات، ويقدمون نموذجًا يستحق الاحترام والتقدير. وفي المقابل، توجد نماذج أخرى تجعل المواطن يشعر بأن الحصول على حقه في العلاج يحتاج إلى واسطة أو شكوى أو تدخل من مسؤول.
​المشهد يتكرر بصورة لافتة: مريض يُطلب منه شراء مستلزمات من خارج المستشفى بدعوى عدم توافرها، ثم تتغير الأمور خلال دقائق بمجرد وصول اتصال من جهة مسؤولة أو تقديم شكوى إلى وزارة الصحة! هنا يبرز سؤال مشروع: إذا كانت الإمكانيات موجودة، فلماذا لم يحصل عليها المريض منذ اللحظة الأولى؟ ولماذا تصبح الخدمة متاحة فقط بعد تدخل خارجي؟
​الشكوى ليست خصومة مع إدارة المستشفى، وليست محاولة لإحراج أحد، بل هي في كثير من الأحيان وسيلة لإنقاذ حياة إنسان. فالصحفي الذي ينقل استغاثة مريض لا يبحث عن صناعة أزمة، وإنما يؤدي دورًا مجتمعيًا يهدف إلى ضمان حصول المواطن على حق يكفله له الدستور والقانون.
​ومن واقع المتابعة، فإن كثيرًا من المشكلات لا ترتبط بنقص الإمكانيات بقدر ارتباطها بطريقة التعامل؛ فالمريض يدخل المستشفى في أضعف لحظاته، ينتظر كلمة طيبة قبل العلاج، ويحتاج إلى من يرشده قبل أن يطالبه بالإجراءات. أما التعامل الجاف أو التقليل من معاناة المرضى أو إشعارهم بأنهم عبء على المنظومة، فهو أمر لا يليق برسالة الطب ولا بالخدمة العامة.
​كما أن وجود الطبيب، وحسن إدارة المستشفى، وكفاءة التمريض، وسرعة اتخاذ القرار، كلها عناصر لا تقل أهمية عن الأجهزة الحديثة أو الأدوية؛ فالمنظومة الصحية الناجحة لا تُقاس فقط بما تملكه من إمكانيات، وإنما بكيفية توظيفها لخدمة المريض بعدالة ودون تمييز.
​ولا يمكن إنكار أن الدولة ضخت خلال السنوات الماضية استثمارات كبيرة لتطوير المستشفيات وتحديث البنية التحتية وإطلاق المبادرات الصحية، لكن نجاح هذه الجهود يظل مرتبطًا بالعنصر البشري، وبمدى التزام كل مسؤول بأداء دوره؛ لأن أفضل التجهيزات قد تفقد قيمتها إذا غابت الإدارة الجيدة أو تراجع الإحساس بالمسؤولية.
​الرسالة ليست انتقادًا للجميع، فهناك آلاف الأطباء وأفراد التمريض والإداريين والعاملين الذين يقدمون نماذج مشرفة ويؤدون رسالتهم بإخلاص رغم ضغوط العمل، هؤلاء يستحقون كل التقدير. لكن في الوقت نفسه، فإن أي تجاوز في حق مريض، أو تقصير يمكن تلافيه، أو تعطيل لخدمة متاحة، يجب أن يخضع للمراجعة والمحاسبة.
​يا سادة.. المريض هو الغاية التي وجدت من أجلها المستشفيات، فلا ينبغي أن يضطر للبحث عن واسطة أو تقديم شكوى أو إطلاق استغاثة حتى يحصل على العلاج. فالحق في الرعاية الصحية ليس منحة، وإنما حق أصيل، واحترام هذا الحق هو المعيار الحقيقي لنجاح أي منظومة صحية.

تم نسخ الرابط