عاجل

على امتداد تاريخها الحديث، شهدت مصر محطات مفصلية أسهمت في إعادة تشكيل الدولة وتحديد أولوياتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية. 

وتأتي ثورة 23 يوليو 1952 وثورة 30 يونيو 2013 في مقدمة هذه المحطات، باعتبارهما نقطتين مفصليتين في مسار الدولة المصرية، رغم اختلاف الظروف التاريخية والإقليمية التي أحاطت بكل منهما.

فقد جاءت ثورة يوليو في مرحلة اتسمت بوجود الاحتلال البريطاني، وتراجع أداء  النظام الملكي، واتساع الفوارق الاجتماعية ( مجتمع نصف في المائة ) ، بينما جاءت ثورة  30 يونيو في ظل حالة من الاستقطاب السياسي وتحديات أمنية واقتصادية فرضت نفسها على المشهد المصري. 

بين الحدثين أكثر من ستة عقود، إلا أن قراءة متأنية تكشف عن قواسم مشتركة في الأهداف العامة، كما توضح أن مشروع الجمهورية الجديدة استلهم عددًا من المبادئ التي ارتبطت بثورة يوليو، مع تطويرها بما يتناسب مع متطلبات الدولة الحديثة.

الدولة الوطنية بوصفها الأولوية الأولى

من أبرز السمات التي تجمع بين الثورتين  التركيز على الحفاظ على الدولة الوطنية وتعزيز قدرتها على القيام بوظائفها الأساسية.

فثورة يوليو دشنت مرحلة بناء الجمهورية وإنهاء النظام الملكي، وأسست لمؤسسات دولة حديثة تولت مسؤولية قيادة عملية التنمية. 

في المقابل، شكلت 30 يونيو نقطة انطلاق لمرحلة أعادت فيها الدولة ترتيب أولوياتها، مع التركيز على استعادة الاستقرار، وتعزيز كفاءة المؤسسات، والانطلاق نحو تنفيذ برنامج واسع للإصلاح الاقتصادي والتنمية.

وفي الحالتين، احتلت الدولة الوطنية موقع الصدارة باعتبارها الإطار الجامع لتحقيق الأمن والاستقرار والتنمية.

الإرادة الشعبية والتغيير السياسي

ارتبطت ثورة يوليو بحركة الضباط الأحرار التي سرعان ما حظيت بتأييد شعبي واسع، فيما ارتبطت 30 يونيو بخروج أعداد كبيرة من المصريين في مظاهرات طالبت بإجراء تغيير سياسي، أعقبها استجابة  القوات المسلحة وإعلان خارطة طريق للمرحلة الانتقالية.

ورغم اختلاف ظروف و طبيعة الحدثين، فإن كليهما مثل نقطة تحول في بنية النظام السياسي، وأسفر عن مرحلة جديدة حملت رؤى مختلفة لإدارة الدولة ومؤسساتها.

العدالة الاجتماعية.. الهدف ذاته والأدوات مختلفة

احتلت العدالة الاجتماعية موقعًا محوريًا في مشروع يوليو، من خلال الإصلاح الزراعي، والتوسع في التعليم، ودعم التصنيع الوطني، وتوسيع دور الدولة في تقديم الخدمات الأساسية.

أما الجمهورية الجديدة فقد اتجهت إلى معالجة مفهوم العدالة الاجتماعية بأدوات تتناسب مع طبيعة الاقتصاد المعاصر، من خلال برامج الحماية الاجتماعية، وتطوير منظومة الدعم، وإنشاء المدن الجديدة، وتطوير الريف المصري، وتحسين خدمات الصحة والتعليم والإسكان، إلى جانب إطلاق مبادرات تستهدف الفئات الأولى بالرعاية.

ويعكس هذا التطور انتقال مفهوم العدالة الاجتماعية من الاعتماد على التوسع في ملكية الدولة إلى التركيز على تحسين جودة الحياة، وتوسيع فرص التنمية، وتعزيز شبكات الحماية الاجتماعية.

التنمية الشاملة أساس بناء الدولة

وضعت ثورة يوليو التنمية الاقتصادية في قلب مشروعها الوطني، فشهدت مصر خلال تلك المرحلة إنشاء السد العالي، والتوسع في الصناعات الثقيلة، وإقامة مشروعات قومية كبرى شكلت قاعدة للتنمية لعقود لاحقة.

وفي الجمهورية الجديدة، برزت مشروعات قومية واسعة النطاق شملت تطوير شبكة الطرق والمحاور، وإنشاء مدن الجيل الرابع، وتحديث الموانئ، والتوسع في مشروعات الطاقة، والتحول الرقمي، إلى جانب تنفيذ مبادرات صحية وتنموية غير مسبوقة.

ورغم اختلاف طبيعة الاقتصاد العالمي بين المرحلتين، فإن الفلسفة العامة بقيت واحدة، وهي أن الاستثمار في البنية الأساسية يمثل مدخلًا رئيسيًا لتحقيق التنمية المستدامة وتعزيز القدرة التنافسية للدولة.

استقلال القرار الوطني

يعد الحفاظ على استقلال القرار الوطني أحد أبرز المبادئ التي ارتبطت بثورة يوليو، سواء في السياسة الخارجية أو في إدارة الملفات الاستراتيجية.

وتحرص السياسة المصرية منذ عام 2014 على تأكيد هذا المبدأ من خلال تنويع الشراكات الدولية، وإقامة علاقات متوازنة مع مختلف القوى الإقليمية والدولية عبر مبدأ " الاتزان الاستراتيجي " ، بما يحقق المصالح الوطنية ويحافظ على استقلالية اتخاذ القرار.

ويعكس هذا التوجه امتدادًا لفكرة أن قوة الدولة ترتبط بقدرتها على إدارة علاقاتها الخارجية انطلاقًا من أولوياتها الوطنية.

دور المؤسسات الوطنية :

لعبت المؤسسات الوطنية دورًا محوريًا في المرحلتين، وفي مقدمتها القوات المسلحة، التي ارتبط اسمها بثورة يوليو، كما اضطلعت بالدور الرئيسي استجابة لإرادة الشعب خلال ثورة  30 يونيو وما أعقبها من إجراءات انتقالية.

وإلى جانب المؤسسة العسكرية، برزت أهمية مؤسسات الدولة المدنية والإدارية في تنفيذ برامج الإصلاح، بما يعكس أن نجاح أي مشروع وطني يرتبط بوجود مؤسسات قوية وقادرة على إدارة عملية التنمية بكفاءة واستمرارية.

كيف استفادت الجمهورية الجديدة من تجربة يوليو؟

لا تعني الاستفادة من تجربة يوليو تكرار سياساتها بحذافيرها، وإنما استلهام المبادئ العامة التي أثبتت أهميتها في بناء الدولة.

أولى هذه المبادئ هي أن بناء المؤسسات يمثل شرطًا أساسيًا لتحقيق التنمية، وهو ما انعكس في برامج تحديث الجهاز الإداري، والتحول الرقمي، وتطوير البنية التشريعية.

أما المبدأ الثاني فهو إعطاء أولوية للمشروعات القومية الكبرى باعتبارها قاطرة للنمو الاقتصادي، وهو ما يتجسد في مشروعات البنية الأساسية، والمدن الجديدة، وشبكات النقل، والطاقة.

ويتمثل المبدأ الثالث في الاستثمار في الإنسان، من خلال تطوير التعليم والرعاية الصحية، والاهتمام بالشباب، وتمكين المرأة، باعتبار أن التنمية الحقيقية لا تقتصر على إنشاء المشروعات، وإنما تشمل أيضًا بناء القدرات البشرية.

كما برزت أهمية تحقيق التوازن بين الأمن والتنمية، إذ أثبتت التجارب أن الاستقرار يمثل أحد الشروط الأساسية لجذب الاستثمار وتحقيق النمو الاقتصادي.

الجمهورية الجديدة... امتداد وتطوير

رغم ما يفصل بين يوليو ويونيو من اختلافات في السياقات التاريخية والاقتصادية، فإن الجمهورية الجديدة تبدو امتدادًا لفكرة الدولة الوطنية / المشروع الوطني  التي تأسست مع قيام الجمهورية عام 1953، مع إعادة صياغة أدواتها بما يتلاءم مع معطيات العصر.

فإذا كانت ثورة يوليو قد اعتمدت على الاقتصاد الموجه والقطاع العام بوصفهما أدوات رئيسية لتحقيق التنمية، فإن الجمهورية الجديدة تبنت نموذجًا أكثر انفتاحًا يقوم على الشراكة بين الدولة والقطاع الخاص، وتعزيز الاستثمار، والاستفادة من التكنولوجيا، مع استمرار دور الدولة في تنفيذ المشروعات الاستراتيجية وحماية الفئات الأكثر احتياجًا.

ومن هذا المنظور، تمثل الجمهورية الجديدة مرحلة تستند إلى تراكم الخبرات الوطنية، وتستلهم من تجربة ثورة يوليو مبادئها الكبرى، مع توظيف أدوات حديثة تتناسب مع تحديات القرن الحادي والعشرين.

تم نسخ الرابط