عاجل

"النفوذ الحقيقي لا يُصنع بالقوة وحدها، بل تبنيه التنمية، وتحميه المصالح المشتركة، وتخلده الإنجازات التي يشعر بها الناس على أرض الواقع".

لا تُقاس الزيارات الرئاسية الكبرى بعدد الاتفاقيات التي تُوقع أو البيانات التي تُصدر، وإنما بما تتركه من تحولات استراتيجية، وما ترسمه من ملامح لمرحلة جديدة في علاقات الدول.

ومن هذا المنطلق، فإن زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى مدينة دار السلام، عاصمة جمهورية تنزانيا المتحدة، تتجاوز كونها محطة دبلوماسية مهمة، لتصبح إعلانًا سياسيًا واقتصاديًا عن رؤية مصر لمستقبل وجودها في القارة الإفريقية.

في تقديري، لم يكن اختيار دار السلام مصادفة، ولم تكن أجندة الزيارة مجرد لقاءات رسمية، بل جاءت لتعكس إدراكًا عميقًا بأن إفريقيا أصبحت إحدى أهم ساحات التنافس الاقتصادي والاستثماري في العالم، وأن مكانة مصر الإقليمية تتعزز بقدر قدرتها على بناء شراكات تنموية مستدامة مع الأشقاء الأفارقة.

لقد انتقلت السياسة الخارجية المصرية خلال السنوات الأخيرة من مرحلة استعادة الحضور إلى مرحلة صناعة التأثير.

فلم تعد القاهرة تعتمد فقط على الروابط التاريخية أو العمق الجغرافي، وإنما باتت تقدم نموذجًا مختلفًا يقوم على التنمية، ونقل الخبرات، وتنفيذ المشروعات العملاقة، وبناء المصالح المتبادلة التي تحقق مكاسب لجميع الأطراف.

ولعل مشروع سد «جوليوس نيريري» في تنزانيا يمثل التجسيد الأوضح لهذه الرؤية.

فهذا المشروع لم يكن مجرد إنجاز هندسي نفذته شركات مصرية، بل أصبح شهادة إفريقية على قدرة الكفاءات المصرية على تنفيذ مشروعات استراتيجية وفق أعلى المعايير العالمية، ورسالة بأن مصر لا تحمل إلى إفريقيا الوعود، بل تحمل الحلول، ولا تصدر الشعارات، بل تصنع الإنجازات.

وهنا تكمن القيمة الحقيقية لهذا المشروع؛ فهو لم يعزز فقط مكانة الشركات المصرية، بل رسخ الثقة في الخبرة المصرية، وفتح آفاقًا جديدة أمام مشاركة القاهرة في مشروعات الطاقة، والبنية التحتية، والزراعة، وإدارة الموارد المائية، والنقل، في مختلف أنحاء القارة.

ومن أبرز نتائج الزيارة أيضًا، التوافق على دراسة إنشاء خط ملاحي مباشر بين ميناءي سفاجا ودار السلام، إلى جانب إنشاء ممر متعدد الوسائط يربط القاهرة بدار السلام. وأرى أن هذه الخطوة قد تمثل، عند اكتمالها، تحولًا نوعيًا في خريطة التجارة الإفريقية، لأنها تؤسس لمحور لوجستي يربط شمال القارة بشرقها، ويخفض تكاليف النقل، ويعزز انسياب حركة البضائع، ويمنح الصادرات المصرية منفذًا أكثر كفاءة إلى الأسواق الإفريقية، في إطار اتفاقية التجارة الحرة القارية.

كما أن الموقع الاستراتيجي لتنزانيا على المحيط الهندي يمنح هذا التعاون بعدًا يتجاوز العلاقات الثنائية، ليصبح جزءًا من رؤية أشمل لإعادة تشكيل شبكات التجارة والاستثمار داخل القارة، في وقت تتسابق فيه القوى الاقتصادية العالمية لتعزيز حضورها في إفريقيا.

إن المتأمل في التحرك المصري يلاحظ بوضوح أن القاهرة اختارت بناء نفوذها بأدوات الاقتصاد، والتنمية، والاستثمار، وربط الأسواق، وهي أدوات أكثر رسوخًا واستدامة من أي نفوذ قائم على الضغوط أو الاستقطاب.

وهذه المقاربة تنسجم مع مستهدفات «رؤية مصر 2030» وأجندة الاتحاد الإفريقي 2063، اللتين تضعان التكامل الإقليمي والتنمية الشاملة في صدارة الأولويات.

لقد نجحت القيادة السياسية، بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي، في إعادة الزخم للعلاقات المصرية الإفريقية، ليس عبر الخطاب السياسي وحده، وإنما من خلال مشروعات حقيقية، واستثمارات متنامية، وشراكات استراتيجية تعيد لمصر مكانتها الطبيعية في محيطها الإفريقي.

ومن هنا، فإن زيارة دار السلام تمثل أكثر من نجاح دبلوماسي؛ إنها إعلان عن ميلاد مرحلة جديدة في السياسة الخارجية المصرية، تتقدم فيها الدبلوماسية الاقتصادية إلى الواجهة، ويصبح الاستثمار، والربط اللوجستي، وتبادل الخبرات، أدوات رئيسية لتعزيز الأمن القومي المصري، وترسيخ المصالح المشتركة مع دول القارة.

إن العالم اليوم يعيد اكتشاف إفريقيا باعتبارها قارة المستقبل، بينما تؤكد مصر أنها لم تغادر هذا المستقبل، بل عادت إليه برؤية أكثر نضجًا، تستند إلى التاريخ، وتتحرك بثقة في الحاضر، وتخطط بعقل الدولة للمستقبل.

لقد أثبتت زيارة دار السلام أن النفوذ الحقيقي لا يُصنع بالخطابات، بل بالمشروعات التي تغير حياة الشعوب، ولا يُفرض بالقوة، بل يُكتسب بالثقة، ولا يستمر بالمصالح المؤقتة، بل بالشراكات التي تحقق التنمية للجميع.

ومن هنا، فإن الرئيس عبد الفتاح السيسي لم يزر تنزانيا فحسب، بل كتب من دار السلام فصلًا جديدًا في قصة عودة مصر إلى قلب إفريقيا... عودةٌ عنوانها التنمية، ولغتها الإنجاز، وغايتها بناء مستقبل أكثر ازدهارًا للقارة السمراء بأسرها.

تم نسخ الرابط