يصعب فهم التصريحات الأخيرة الصادرة عن رئيس البرلمان الإيراني ورئيس وفد التفاوض محمد باقر قاليباف إذا جرى التعامل معها باعتبارها مجرد رد سياسي على مواقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أو بوصفها امتدادا للحرب الكلامية المعتادة بين واشنطن وطهران، ولكن هذه التصريحات، في تقديري، تعكس تحولا أعمق في طريقة التفكير الإيرانية، وتكشف عن انتقال تدريجي من استراتيجية الردع التقليدية إلى ما يمكن تسميته بـ"إدارة الكلفة" وأصبح السؤال المركزي بالنسبة لصانع القرار الإيراني ليس كيف أمنع الولايات المتحدة من ممارسة الضغوط؟ بل كيف أجعل استمرار هذه الضغوط أكثر كلفة على واشنطن وحلفائها وعلى النظام الاقتصادي الدولي؟
هذا التحول ليس وليد اللحظة، وإنما جاء نتيجة تراكمات امتدت سنوات، ومع تصاعد المواجهات العسكرية، أصبحت طهران أكثر اقتناعا بأن ميزان القوى التقليدي لا يعمل لصالحها ومن ثم، فإن البحث عن أدوات جديدة للتأثير أصبح ضرورة استراتيجية وليس مجرد خيار سياسي، وهنا تبرز أهمية تصريحات قاليباف التي قال فيها: "إذا لم نتمكن من بيع النفط فلن يتمكن أحد من بيعه"، و"إذا لم نكن نحن في أمان فلن يكون أحد في أمان"، ثم حديثه عن أن مضيق هرمز لن يعود إلى ما كان عليه قبل الحرب، هذه التصريحات تمثل أركان تصور واحد يقوم على نقل جزء من تكلفة الصراع إلى الآخرين.
في أدبيات العلاقات الدولية، لا تقوم القوة دائما على امتلاك القدرات العسكرية الأكبر، وإنما على القدرة على التأثير في حسابات الخصم، حيث تلجأ الدول متوسطة القوة كثيرا إلى توظيف عناصر الجغرافيا أو الاقتصاد أو الموقع الاستراتيجي لتعويض الفجوة العسكرية وإيران تدرك جيدا أن مواجهة الولايات المتحدة بمنطق القوة العسكرية المباشرة ليست معركة يمكن كسبها، لكنها تدرك أيضا أنها تمتلك أوراقا تجعل أي تصعيد أمريكي يحمل تداعيات تتجاوز حدودها، ولذلك، فإنها تحاول إعادة تعريف معادلة الصراع من مواجهة بين دولتين إلى أزمة تمس استقرار الإقليم وسوق الطاقة العالمي وحركة التجارة الدولية.
من هنا يمكن فهم المكانة الخاصة التي يحتلها مضيق هرمز في الخطاب الإيراني، لأن القضية لا تتعلق بإغلاق المضيق من عدمه، لأن هذا الخيار يحمل بدوره اثمانا كبيرة على إيران نفسها، وإنما تتعلق بتحويل المضيق إلى عنصر دائم في حسابات الردع، فمجرد وجود احتمال لاضطراب الملاحة أو ارتفاع المخاطر الأمنية يكفي لرفع أسعار التأمين البحري، وزيادة تكلفة النقل، وإثارة القلق في أسواق الطاقة، أي أن التأثير قد يتحقق قبل استخدام القوة، وهو جوهر الردع في صورته الحديثة.
لكن ما يلفت الانتباه هو أن إيران لم تعد تتحدث عن أمنها باعتباره شأنا وطنيا منفصلا، بل تربطه بصورة مباشرة بأمن المنطقة كلها، فعبارة "إذا لم نكن في أمان فلن يكون أحد في أمان" لا تستهدف الولايات المتحدة وحدها، وإنما توجه رسالة إلى جميع الأطراف الإقليمية والدولية بأن استقرار الخليج لم يعد ممكنا إذا استمرت سياسة الضغوط القصوى على طهران وهي رسالة تعكس إدراكا بأن المصالح الاقتصادية العالمية أصبحت أكثر حساسية تجاه أي اضطراب في منطقة الخليج، وأن التأثير في هذه المصالح قد يكون أكثر فاعلية من الدخول في مواجهة عسكرية واسعة.
في المقابل، لا تبدو الولايات المتحدة بعيدة عن هذه الحسابات، إدارة ترامب تنطلق من تصور مختلف يقوم على أن زيادة الضغوط الاقتصادية والعسكرية ستدفع إيران في النهاية إلى تعديل سلوكها السياسي أو القبول بشروط تفاوضية جديدة غير أن التجارب السابقة تشير إلى أن العقوبات، مهما بلغت شدتها، لا تؤدي دائما إلى النتائج المتوقعة، بل قد تدفع الدول المستهدفة إلى تطوير أدوات جديدة للمواجهة، وإلى توسيع دائرة الصراع بدلا من احتوائها وهذا ما يجعل المرحلة الراهنة أكثر تعقيدا من مجرد تبادل للتهديدات.
الواقع أن ما يجري اليوم يكشف عن تغير أوسع في طبيعة الصراعات الدولية وأن الحروب لم تعد تحسم فقط في ميادين القتال، و إنما في أسواق المال والطاقة، وفي سلاسل الإمداد، وشبكات النقل البحري، وحسابات المستثمرين، ومن ثم، فإن القدرة على تعطيل حركة الاقتصاد العالمي أصبحت في بعض الأحيان ورقة ضغط لا تقل أهمية عن امتلاك القوة العسكرية. وهذا ما يجعل النفط وممرات الملاحة عنصرين رئيسيين في أي قراءة للمشهد الحالي.
غير أن هذه الاستراتيجية ليست بلا مخاطر فرفع الكلفة على الخصم قد يؤدي في الوقت نفسه إلى رفع الكلفة على الذات وإذا كانت إيران تراهن على أن العالم لن يتحمل اضطرابا طويلا في أسواق الطاقة، فإن استمرار التصعيد قد يفرض على الاقتصاد الإيراني أعباء إضافية، وقد يدفع القوى الكبرى إلى البحث عن ترتيبات أمنية جديدة لتأمين طرق التجارة وتقليل الاعتماد على الممرات التقليدية، وهنا يصبح الصراع مفتوحا على احتمالات متعددة، لا يملك أي طرف القدرة على التحكم الكامل في مسارها.
ومن زاوية أخرى، فإن دول المنطقة تجد نفسها أمام تحد مختلف فهي ليست طرفا مباشرا في الصراع الأمريكي الإيراني، لكنها ستكون أول من يدفع ثمن أي تصعيد واسع، اقتصادات الخليج ترتبط ارتباطا وثيقا باستقرار أسواق الطاقة والملاحة، وأي تغير في قواعد الأمن الإقليمي ستكون له انعكاسات مباشرة على خطط التنمية والاستثمار ولهذا، فإن الحفاظ على التوازن بين الردع ومنع الانزلاق إلى مواجهة شاملة سيظل أحد أكبر التحديات أمام دول الإقليم خلال المرحلة المقبلة.
الخلاصة أن تصريحات قاليباف لا ينبغي النظر إليها باعتبارها خطابا سياسيا عابرا، وإنما باعتبارها مؤشرا على تحول في التفكير الاستراتيجي الإيراني فإيران لا تعلن أنها أصبحت الطرف الأقوى، ولا تدعي أنها قادرة على حسم الصراع عسكريا، لكنها تقول إنها تملك القدرة على تغيير معادلاته ورفع تكلفته على الجميع وبين هذه الرؤية، ورؤية إدارة ترامب القائمة على استمرار الضغوط حتى تغيير السلوك الإيراني، يدخل الشرق الأوسط مرحلة جديدة، قد لا يكون عنوانها الحرب الشاملة، وإنما صراع طويل على إعادة تعريف قواعد الردع، وحدود القوة، وكيفية توزيع كلفة الأزمات.
وفي مثل هذه اللحظات، يصبح السؤال الأكثر أهمية ليس من يربح الجولة الحالية، وإنما أي استراتيجية ستكون أكثر قدرة على الصمود مع مرور الوقت، التاريخ يعلمنا أن الصراعات الكبرى لا تحسم فقط بحجم القوة، وإنما بقدرة كل طرف على إدارة الزمن، وتحمل الكلفة، وإقناع خصمه بأن الاستمرار في المواجهة أصبح أقل جدوى من البحث عن تسوية جديدة وربما تكون هذه هي الرسالة الأهم الكامنة خلف التصريحات الإيرانية الأخيرة، وهي أيضا المفتاح لفهم طبيعة المرحلة التي يدخلها الشرق الأوسط اليوم.