عاجل

بين 23 يوليو 1952 و30 يونيو 2013 لا تبدو المسافة مجرد واحدٍ وستين عامًا على صفحات التقويم، وإنما فصلان من رحلة الدولة المصرية في بحثها الدائم عن الاستقلال، وصيانة السيادة، وإعادة بناء الذات الوطنية.
ثورة يوليو كانت حتمية تاريخية انقذت مصر من نظام ملكى يترنح واستعمار جثم على جسد المصريين أكثر من ٧٠ عاما ، وقد مثلت الثورة نقطة تحول في تاريخ مصر والمنطقة. فقد أعادت تعريف دور الدولة، وطرحت مشروعًا للاستقلال الوطني والعدالة الاجتماعية وبناء مؤسسات الدولة الحديثة، وفتحت الباب أمام حكم المصريين لنفسهم بنفسهم.
ومن القاهرة، التي أصبحت آنذاك عاصمة للحلم التحرري، تجاوز صدى التجربة المصرية حدودها الجغرافية، فوجدت حركات التحرر في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية في تجربة الزعيم جمال عبد الناصر التحررية إلهام سياسي ومعنوي، فى القدرة على مقاومة الهيمنة الخارجية، والسعي إلى بناء قرارها الوطني المستقل. ولذلك بقيت مصر، لسنوات طويلة، حاضرة ومؤثرة في ذاكرة حركات التحرر الوطني، بوصفها تجربة تجاوز أثرها حدودها، وأصبحت جزءًا من التاريخ السياسي للعالم النامي.
لم تولد يوليو ولا يونيو من فراغ، بل خرجتا من سياقٍ تاريخي ممتد، تضرب جذوره في ثورة 1919، وعنوانها استقلال مصر ، ومن أجل الاستقلال الوطنى قرر الشعب المصرى التضحية بكل غالى ونفيس وسقط الشهداء فى حروب مصر الكبرى بداية من مواجهة عدوان ١٩٥٦ مرورا بنكسة يونيو ١٩٦٧ وانتصار ١٩٧٣ والحرب على الإرهاب وتحقيق الحسم فيها على شراذم تنظيم الاخوان الارهابي وحلفائه .
هي تضحيات حمى بها الشعب ثورته،  وثمن للسياره الوطنية وضمان الأمن والاستقرار فى منطقة من أكثر مناطق العالم اشتعالا .
أسست ثورة ٢٣ يوليو الجمهورية المصرية على استقلال القرار الوطنى والحكمة فى اتخاذ القرارات وكان ثورة ٣٠ يونيو امتداد تاريخى لثورة يوليو ، وكان المبدأ الغالب هو الواقعية والتراكم والتعلم من دروس وعبر ثورة ٢٣ يوليو ، وكانت الجمهورية الجديدة يقظة لتجنب الأخطاء والبناء على الإنجازات،  وكانت صادقة ومنفتحة على تقييم التجربة بكل تجرد مع توفر ارادة سياسية لتجنيب البلاد اى مخاطر واتضح ذلك جليا فى افتتاح الرئيس عبد الفتاح السيسى لمقر القيادة الاستراتيجية (الاوكتاجون ) أكبر الصروح العسكرية فى المنطقة، والذى يعبر عن مرحلة جديدة فى إدارة الدولة المصرية بمنهج استراتيجى متكامل، فالمقر يضم منظومة حديثة للقيادة والسيطرة، لتعزيز التنسيق بين أجهزة الدولة، وسرعة إدارة الأزمات واتخاذ القرار، بما يدعم القدرات الأمنية والدفاعية للدولة ، وجاء إطلاق الهيئة الوطنية لإدارة الأزمات والطوارئ ليترجم هذه الرؤية إلى واقع مؤسسى؛ إذ تتولى الهيئة تنسيق جهود الوزارات والمحافظات والأجهزة المختلفة فى مواجهة الأزمات والكوارث والطوارئ، بما يضمن توحيد القرار، وسرعة الاستجابة، وتقليل الخسائر البشرية والمادية. 
اساس فكره الأمن وتطبيقاته المختلفة هو حماية الإنسان من تداعيات ومخاطر تحيط بالدولة وتتربص بجمهوريتها الأولى والجديدة ، ولذلك كان الانسان المصرى هو الانحياز الذى لا يتغير ، وإذا كانت ثورة يوليو قد انحازت للفلاح والعامل، وأرست فكرة الدولة الوطنية المستقلة، فإن الجمهورية الجديدة جاءت لتعيد صياغة هذه المبادئ بأدوات القرن الحادى والعشرين، مستفيدة من نجاحات التجربة، متجاوزة ما كشفه التاريخ من قصورها ، فكانت برامج الحماية الاجتماعية ، فقد شهدت مصر أكبر توسع فى مظلة الحماية الاجتماعية فى تاريخها الحديث، حيث ارتفع عدد الأسر المستفيدة من برنامج «تكافل وكرامة» من نحو 1.7 مليون أسرة عند إطلاقه إلى 4.7 مليون أسرة حاليًا، بينما استفادت من البرنامج على مدار عشر سنوات 7.7 مليون أسرة، مع تحويله إلى حق قانونى دائم، ولم يعد البرنامج مجرد إعانة نقدية، بل أصبح أحد أهم أدوات الدولة لمكافحة الفقر، وربط الدعم بالانتظام فى التعليم والرعاية الصحية، بما يضمن الاستثمار فى الإنسان المصرى قبل أى شىء. 
وامتدت فلسفة العدالة الاجتماعية من الدعم النقدى إلى إعادة توزيع فرص التنمية جغرافيًا، من خلال المبادرة الرئاسية «حياة كريمة»، التى تعد أكبر مشروع تنموى للريف فى تاريخ مصر. فقد استهدفت المرحلة الأولى تنفيذ نحو 23 ألف مشروع فى 1477 قرية داخل 52 مركزًا بـ20 محافظة، باستثمارات تقترب من 350 مليار جنيه، ليستفيد منها نحو 18 مليون مواطن، مع توجيه 68% من الاستثمارات إلى محافظات الصعيد، الأكثر احتياجًا. كما نجحت الدولة فى القضاء على المناطق العشوائية غير الآمنة، ونقل عشرات الآلاف من الأسر إلى مجتمعات حضارية متكاملة مثل الأسمرات وبشائر الخير، ليصبح الحق فى السكن اللائق، والتعليم، والصحة، والمرافق الأساسية، جزءًا من مفهوم العدالة الاجتماعية الذى تتبناه الدولة. 
ذلك المعنى هو ما اكده الرئيس السيسى فى كلمته الهامة بمناسبة ذكرى ثورة ٢٣ يوليو باعتبار ان الارث الاهم للثورة كانت انحيازها للعدالة الاجتماعية وترسيخ مفهومها ، وبناء الدولة الوطنية القوية، مشيرًا إلى أن الجمهورية الجديدة لم تكتف باستحضار هذه المبادئ، بل سعت إلى ترجمتها إلى سياسات عملية ومشروعات تنموية، تستهدف تحسين جودة الحياة لملايين المصريين.
البناء أحد وجوه التنمية الشاملة ، والحقيقة ان الجمهورية الجديدة تقوم بأكبر عملية بناء فى تاريخ مصر الحديث عبر إنشاء المدن الجديدة، وتطوير البنية الأساسية، والتوسع فى مشروعات الطاقة، واستصلاح الأراضى، وتحديث قطاعات التعليم والصحة، وبحسب كلمة الرئيس كان البناء دائمًا الوجه الآخر لمعركة حماية الدولة.
فقد خاضت مصر معركتين متوازيتين قلما استطاعت دولة أن تجمع بينهما؛ معركة البقاء، ومعركة البناء، كانت تخوض حربًا شرسة ضد الإرهاب الذى استهدف إسقاط الدولة، وفى الوقت نفسه كانت تفتح كل يوم موقعًا جديدًا للتنمية، وكأن الرسالة تقول إن الرد على الإرهاب لا يكون بالسلاح وحده، بل ببناء وطن أقوى وأكثر قدرة على الحياة.
ولعل العاصمة الإدارية الجديدة تمثل التعبير الأوضح عن هذه الفلسفة، فهى اكبر من فكره انتقال لمقار الحكومة، وإنما إعادة هندسة لعقل الدولة المصرية، وبناء مركز جديد للإدارة والاقتصاد والتكنولوجيا، يستوعب متطلبات العقود المقبلة. 
وفى الوقت ذاته، كانت الدولة تعيد رسم خريطتها العمرانية بالكامل بالتوسع فى انشاء المدن الذكية الجديدة، وشبكات طرق ومحاور غير مسبوقة، وموانئ ومناطق لوجستية، وتطوير شامل للبنية الأساسية، ومحطات عملاقة للكهرباء والطاقة المتجددة، وتوسعات فى اكتشافات الغاز والبترول، ومشروعات لتحلية المياه ومعالجة الصرف، بما يؤسس لاقتصاد قادر على المنافسة لعقود مقبلة ، ولم يكن الهدف إنشاء مشروعات ضخمة لذاتها، بل بناء بنية تحتية ظلت مصر فى حاجة إليها لعشرات السنين.
وفى الزراعة والأمن الغذائى، جاء مشروع مستقبل مصر ليعبر عن تحول استراتيجى فى مفهوم التنمية الزراعية. فلم تعد القضية مجرد زيادة الرقعة المزروعة، وإنما بناء قدرة وطنية على تأمين الغذاء وتقليل الاعتماد على الخارج، عبر استصلاح مئات الآلاف من الأفدنة، وتطبيق أحدث نظم الرى والزراعة، وربط الإنتاج بالصناعة وسلاسل الإمداد، ليصبح الأمن الغذائى جزءًا لا يتجزأ من منظومة الأمن القومى.
وتتضاعف قيمة ما حققته مصر وجمهوريتها الجديدة من إنجازات كبرى  اذا ما تذكرنا السياق الذى أُنجزت فيه. فمنطقة الشرق الأوسط كانت، وما تزال، تموج بالحروب والصراعات، والاقتصاد العالمى فى اسوأ حالاته من عندم اليقين بسبب ما يتعرض له من ازمات متلاحقة، من جائحة كورونا إلى اضطراب سلاسل الإمداد، ثم الحرب الروسية الأوكرانية، وصولًا إلى الحرب على غزة وتوابعها ثم اشتعال الحرب الأمريكية الإيرانية وتأثيرها الخطير على التجارة الدولية وحركة الملاحة، ووضعت إيرادات قناة السويس فى مأزق ورغم ذلك، لم تتوقف مصر عن البناء، ولم تؤجل مشروعاتها الاستراتيجية، لأنها أدركت أن أخطر ما يمكن أن تفعله الدول فى أوقات الأزمات هو أن تؤجل المستقبل.
وكان الرئيس محقا فى توجيه التحية للشعب المصرى ، فقدرة مصر على تجاوز التحديات الإقليمية والدولية لم تكن نتاج قوة مؤسساتها فقط، وإنما أيضًا بفضل وعى الشعب المصرى وتماسكه، وهو ما يعكس قناعة بأن الأمن القومى لم يعد مسؤولية المؤسسات وحدها، بل أصبح شراكة متكاملة بين الدولة والمجتمع فى مواجهة المخاطر وحماية الاستقرار.
ان  ذكرى ثورة  يوليو تأتى هذا العام، فيما يقف الشرق الأوسط على حافة واحدة من أخطر لحظاته، إذ تتشابك الحروب وتتسع دوائر الصراع، بينما تظل مصر فى قلب المشهد، لا تملك رفاهية الانعزال أو غض الطرف عما يجرى حولها. فالموقع لا يمنحها حق الحياد، والتاريخ لا يسمح لها بالغياب، ومكانتها الإقليمية تفرض عليها أن تكون طرفًا فاعلًا فى حماية الأمن والاستقرار الإقليميين، ولذلك كان موقف الرئيس السيسى حاسما فى إدانة الاعتداءات المتكررة على الأشقاء فى الخليج، والتأكيد على أن أمن الدول العربية كلٌ لا يتجزأ، وأن التضامن العربى ليس شعارًا سياسيًا، بل ضرورة استراتيجية تفرضها تحديات الحرب المشتعلة فى الشرق الاوسط وهو امتداد لانحياز تاريخى اخر وثابت من ثوابت ثورة يوليو وقد حمل خطاب الرئيس السيسى رسالة واضحة مفادها أن قوة الدولة المصرية لم تُبنَ لتكون أداة صراع، وإنما لتكون ضمانة للاستقرار، وسندًا للسلام وانطلاقا من هذه الثوابت  جدد الدعوة إلى وقف الحروب، ورفض الاعتداء على الدول العربية، والعودة إلى طاولة المفاوضات، انطلاقًا من يقين راسخ بأن السلام العادل هو الطريق الوحيد لحماية الشعوب، وصون الدول، وتهيئة البيئة اللازمة للتنمية والازدهار.
فى تقديرى ان قيمة الثورات لا تقاس بعدد السنوات التى تفصلنا عنها، وإنما بقدرتها على البقاء مصدرًا للإلهام وتجديد للارادة ولعل الرسالة الأعمق التى حملها خطاب الرئيس فى ذكرى يوليو، أن الأوطان لا تعيش على أمجاد الماضى وحدها، ولا تُبنى بالأحلام المجردة، وإنما تتقدم حين تمتلك الثقة فى نفسها، والقدرة على التعلم من تجاربها، والإيمان بأن كل مرحلة، مهما اشتدت صعوبتها، تحمل فى داخلها بذور مرحلة أفضل.
وبين ذاكرة وطن لا ينسى تضحيات أبنائه، وإرادة دولة لا تتوقف عن البناء، يبقى الأمل هو الثروة الحقيقية التى لا تنضب فالتاريخ يعلمنا أن مصر، كلما ضاقت بها الظروف، اتسعت أمامها آفاق المستقبل، وكلما ظن البعض أنها بلغت نهاية الطريق، كانت على موعد مع بداية جديدة ، والتفاؤل كما هو الحال على ثورات التنمية البيضاء صناعة مصرية وفى حالة مصر هو أسلوب حياة وقراءة لقادم الأيام تستند إلى مسيرة وطن اعتاد أن يصنع من التحديات فرصًا، ومن المحن بدايات، ولذلك يظل الإيمان راسخًا بأن القادم، بإذن الله، سيكون أفضل.

تم نسخ الرابط