في كل مرة تواجه فيها الأسواق أزمة حقيقية، يتكرر المشهد ذاته؛ تتغير المفردات، وتظهر مصطلحات جديدة، وتتصدر المشهد دعوات إلى الإصلاح والاستدامة وإدارة المخاطر، بينما يبقى السؤال الأهم معلقًا دون إجابة: هل تغيرت الممارسات بالفعل، أم أننا أمام إعادة إنتاج للخطاب نفسه بصياغة أكثر قبولًا؟
هذا السؤال يفرض نفسه بقوة على المشهد العقاري المصري، ليس لأن القطاع فقد أهميته، بل على العكس، لأنه أحد أكبر القطاعات مساهمة في الاقتصاد الوطني، وأكثرها تأثيرًا في حركة الاستثمار والتشغيل. ومن ثم، فإن أي قراءة للمشهد يجب أن تنطلق من حقيقة أساسية، وهي أن السوق العقاري المصري لا يعاني من أزمة وجود، وإنما يمر بمرحلة مراجعة قاسية لعدد من الممارسات التي تراكمت عبر سنوات طويلة، حتى أصبحت جزءًا من الثقافة السائدة داخل السوق.
لقد شهدت مصر خلال العقد الأخير طفرة عمرانية غير مسبوقة، وأُنشئت مدن جديدة ومجتمعات عمرانية ضخمة، وهو ما وفر فرصًا استثمارية هائلة ورسخ مكانة العقار كأحد أهم الأوعية الاستثمارية. إلا أن هذه الطفرة صاحبتها، في بعض الأحيان، ممارسات دفعت السوق تدريجيًا إلى التركيز على تحقيق أعلى معدلات بيع، دون منح الاهتمام الكافي لجودة الطلب، أو قدرة المشترين على الاستمرار، أو كفاءة السوق الثانوية، أو العلاقة الحقيقية بين الأسعار والقوة الشرائية.
ومع مرور الوقت، أصبحت بعض الرسائل التسويقية تتعامل مع العقار باعتباره استثمارًا لا يعرف الخسارة، وأصبح ارتفاع الأسعار يُطرح وكأنه قاعدة اقتصادية ثابتة، بينما غابت عن المشهد حقائق أكثر أهمية، منها أن أي سوق في العالم تخضع في النهاية لقوانين العرض والطلب، وأن قيمة الأصول لا تُقاس فقط بسعرها المعلن، وإنما أيضًا بقدرتها على تحقيق السيولة، واستمرار الطلب الحقيقي عليها، وإمكانية تداولها بكفاءة.
وهنا يظهر أحد أكبر التحديات التي تواجه السوق اليوم، وهو الخلط بين الاحتياج إلى السكن وبين الطلب الاقتصادي الحقيقي. فزيادة عدد السكان أو ارتفاع معدلات تكوين الأسر تمثل احتياجًا ديموغرافيًا، لكنها لا تتحول تلقائيًا إلى طلب قادر على تحريك السوق، ما لم تكن مدعومة بقدرة شرائية تتناسب مع مستويات الأسعار. فالاقتصاد لا يتعامل مع الأمنيات أو الاحتياجات المجردة، وإنما مع Effective Demand، أي الطلب المدعوم بدخل حقيقي وقدرة فعلية على الشراء.
ومن هنا، يصبح الحفاظ على Affordability ليس مجرد مطلب اجتماعي، بل ضرورة اقتصادية لضمان استدامة السوق. فعندما تتسع الفجوة بين مستويات الدخل والأسعار، تبدأ قاعدة المشترين الحقيقيين في الانكماش، وتتحول السوق تدريجيًا إلى دائرة أضيق من المستثمرين والمضاربين، وهو ما ينعكس في النهاية على مستويات السيولة وحركة التداول.
ولا يقل عن ذلك أهمية وضع Secondary Market، التي تمثل في جميع الأسواق المتقدمة أحد أهم مؤشرات الصحة الاقتصادية للقطاع العقاري. فالسوق التي يصعب فيها على المستثمر إعادة بيع أصوله بسهولة، أو يضطر فيها إلى تقديم خصومات كبيرة للحصول على السيولة، هي سوق تحتاج إلى مراجعة لآلياتها، حتى وإن كانت الأسعار المعلنة لا تزال تسجل مستويات مرتفعة. لذلك، فإن Market Liquidity أصبحت اليوم أحد أهم المؤشرات التي يجب متابعتها عند تقييم أداء القطاع، لأنها تعكس الواقع الفعلي أكثر مما تعكسه الأرقام الاسمية للأسعار.
كما أن المرحلة الحالية تفرض إعادة النظر في مفهوم النجاح داخل القطاع العقاري. فلم يعد النجاح يقاس بعدد الوحدات المباعة فقط، وإنما بقدرة الشركات على بناء علاقة طويلة الأجل مع العميل، وتحقيق التوازن بين الربحية والاستدامة، والاعتماد على دراسات سوق حقيقية في التسعير والتطوير، بدلًا من الاكتفاء بالرهان على استمرار موجات التضخم أو توقعات الارتفاع المستمر للأسعار.
وقد أثبتت التجارب الدولية أن الأسواق لا تتعافى بمجرد تغيير لغة الخطاب أو إعادة تقديم المفاهيم القديمة في قوالب جديدة، وإنما عندما تعترف بوجود تحديات حقيقية، ثم تبدأ في معالجتها من خلال إصلاحات مؤسسية وتشريعية، وتعزيز الحوكمة، ورفع مستويات الشفافية، وتحسين جودة البيانات، وتطوير أدوات التمويل، وتطبيق معايير أكثر احترافية في إدارة المخاطر.
إن السوق العقاري المصري يمتلك جميع المقومات التي تؤهله للحفاظ على مكانته كأحد أهم الأسواق الإقليمية، لكن استمرار هذه المكانة يرتبط بقدرتنا على الانتقال من مرحلة الاعتماد على السرديات التسويقية إلى مرحلة الاعتماد على المؤشرات الاقتصادية، ومن ثقافة تحقيق المبيعات السريعة إلى ثقافة بناء القيمة المستدامة، ومن إدارة الانطباعات إلى إدارة الحقائق.
فإنقاذ السوق لن يتحقق بمجرد تغيير الخطاب، بل بتغيير المنهج الذي تُدار به المنظومة، لأن الثقة تُبنى بالممارسة، والاستدامة تُصنع بالإصلاح، والأسواق لا تكافئ من يملك أفضل رواية، وإنما من يملك أفضل نموذج اقتصادي وأكثره قدرة على الاستمرار.