عاجل

صديق إسرائيل ومعاد للمسلمين والعرب.. من هو إبراهيم تراوري حاكم بوركينا فاسو؟

إبراهيم تراوري
إبراهيم تراوري

منذ أن قاد النقيب إبراهيم تراوري انقلابا عسكريا في 30 سبتمبر 2022 أطاح بالرئيس الانتقالي الكولونيل بول هنري سانداوجو داميبا، لم يغب اسمه عن دائرة الجدل داخل بوركينا فاسو وخارجها، فالرجل الذي وصل إلى السلطة بعد انقلاب على قائد جاء هو الآخر عبر انقلاب، أصبح أحد أكثر حكام أفريقيا إثارة للانقسام.

وينحدر تراوري من عائلة مسلمة تنتمي إلى قبائل ديولا في غرب أفريقيا، والتحق بالقوات المسلحة عام 2010، قبل أن يصعد بسرعة داخل المؤسسة العسكرية ويصبح رئيسا للبلاد بعد 12 عاما فقط من دخوله الجيش، في واحدة من أسرع مسيرات الصعود إلى الحكم في القارة.

لكن الضابط الشاب لم يرث دولة مستقرة، بل وجد نفسه أمام بلد يواجه تحديات أمنية واقتصادية وسياسية معقدة، لتبدأ سلسلة من المواجهات الداخلية والخارجية التي توسعت تدريجيا حتى باتت تشكل أربع جبهات رئيسية يخوضها نظامه.

يقول شقيق الزعيم الأفريقي توماس سانكارا: "إبراهيم تراوري هو امتداد لثورة بوركينا فاسو" (بيبولز ديسباتش).

الجبهة الرابعة.. العرب وطلاب الشريعة في مرمى تراوري

أحدث فصول الجدل جاء بعد تصريحات أدلى بها تراوري في 19 يوليو الجاري، تناول فيها تاريخ العبودية في أفريقيا والتعليم الديني، ما أثار ردود فعل واسعة داخل القارة وخارجها.

وقال تراوري إن الأفارقة تعرضوا لأكثر من ألف عام من الاستعباد على يد العرب، مضيفا أن "آخر سوق للعبيد لم يغلق إلا عام 1962"، وهي تصريحات اعتبرها كثيرون قراءة تاريخية مثيرة للجدل، لأنها تجاهلت أدوارا أخرى، وعلى رأسها تجارة الرقيق عبر القوى الأوروبية والاستعمار الغربي.

ولم يتوقف الأمر عند التاريخ، بل أعلن عزمه وقف ابتعاث الطلاب البوركينابيين لدراسة العلوم الشرعية في الخارج، والعمل على إعادة نحو 800 طالب يدرسون حاليا في جامعات ومعاهد عربية.

ولوح الرئيس العسكري بإجراءات مشددة ضد من يرفض العودة، قائلا إن الاستمرار في الدراسة بالخارج قد يؤدي إلى فقدان الجنسية البوركينابية.

وبرر تلك الخطوة بأن خريجي الدراسات الشرعية يعودون بأفكار متشددة وأيديولوجيات لا تخدم احتياجات البلاد، مؤكدا أن سوق العمل يحتاج إلى تخصصات مهنية وتقنية أكثر من العلوم الشرعية، وفقا لمزاعمه.

انتقادات واسعة للموقف من العرب والتعليم الإسلامي

أثارت تصريحات تراوري موجة غضب بين المستعربين الأفارقة وخريجي الجامعات العربية، الذين اعتبروا حديثه تشكيكا في تكوينهم العلمي وتصويرا لهم باعتبارهم مشاريع تطرف، مع تجاهل الإسهامات التي يقدمها كثير منهم في مجالات التعليم والدعوة والثقافة.

كما انتقد عدد من المتابعين تحميل العرب وحدهم مسؤولية تاريخ العبودية في أفريقيا، معتبرين أن الخطاب يغفل الدور المحوري للقوى الأوروبية في تجارة الرقيق والاستعمار الذي استمر لقرون.

إحباط محاولة اغتيال الرئيس إبراهيم تراوري في بوركينا فاسو: بيبلز ديسباتش

إجراءات مشددة ضد المؤسسات الإسلامية

بالتزامن مع تصريحاته الأخيرة، شهدت بوركينا فاسو سلسلة من الإجراءات التي طالت المؤسسات والشخصيات الإسلامية، ومن أبرزها:

  • إصدار قانون للحريات الدينية يفرض قيودا على النشاط الدعوي والتعليمي، ويمنع بناء المساجد داخل المؤسسات العمومية، ويحظر التعليم الديني في المدارس الحكومية، مع تعزيز الطابع العلماني للدولة.
  • إغلاق أحد أكبر مساجد العاصمة واجادوجو، وسط مخاوف من اتساع القيود المفروضة على المساجد.
  • تداول أنباء عبر مواقع التواصل الاجتماعي عن اعتقال علماء وشخصيات إسلامية وإرسال بعضهم إلى معسكرات الجيش، دون صدور تأكيدات رسمية مستقلة بشأن تلك الروايات.
  • التهديد بسحب الجنسية من بعض الطلاب المستعربين الذين يواصلون دراستهم في الدول العربية إذا رفضوا العودة.

انفتاح على إسرائيل يثير التساؤلات

في الوقت الذي شدد فيه تراوري إجراءاته الداخلية، استقبل في واجادوجو السفير الإسرائيلي الجديد سيمون سروسي لتسلم أوراق اعتماده، بعد أشهر من تأخر الموافقة على اعتماده.

وكانت مجلة "أفريكا إنتلجنس" قد ذكرت أن طلب اعتماد السفير ظل معلقا منذ صيف 2025 قبل أن تتم الموافقة عليه لاحقا.

ويرى محللون أن هذه الخطوة تعكس توجها أكثر براغماتية في السياسة الخارجية، مع سعي إسرائيل إلى توسيع حضورها الأمني والاستخباراتي في منطقة الساحل.

الحرب الثالثة.. مواجهة مع الديمقراطية والأحزاب

لم يخف تراوري رفضه للنظام الديمقراطي، إذ أعلن في خطاب ألقاه في الأول من أبريل/نيسان 2025 أن "بوركينا فاسو ليست في ديمقراطية، بل في ثورة تقدمية شعبية".

وترجم هذا الموقف إلى سلسلة من الإجراءات السياسية، أبرزها:

  • تمديد المرحلة الانتقالية لمدة خمس سنوات.
  • إصدار مرسوم في يناير 2026 بحل الأحزاب السياسية، مبررا ذلك بأن كثرتها عمقت الانقسامات.
  • حل أو تعليق نشاط 929 جمعية ومنظمة أهلية بدعوى مخالفات إدارية أو شبهات تمويل الإرهاب أو التجسس.
  • حل الاتحاد العام لطلاب بوركينا فاسو بعد انتقاده سياسات الحكومة تجاه الحريات.
الكابتن إبراهيم تراوري: لماذا استطاع زعيم المجلس العسكري في بوركينا فاسو أن يأسر قلوب وعقول العالم؟ - بي بي سي نيوز

الحرب الثانية.. قطيعة كاملة مع فرنسا

مثلت فرنسا هدفا دائما في خطاب تراوري منذ وصوله إلى السلطة، باعتبارها القوة الاستعمارية السابقة وصاحبة النفوذ التاريخي في المنطقة.

وفي يونيو 2026 أعلن المجلس العسكري قطع العلاقات الدبلوماسية مع باريس، متهما إياها بالسعي إلى تنفيذ مشاريع استعمارية جديدة ودعم جماعات وصفها بالتخريبية والإرهابية.

ورغم القطيعة السياسية، أكد البيان الرسمي أن القرار لا يستهدف العلاقات الإنسانية والثقافية بين الشعبين.

ويرى محللون أن إنهاء النفوذ الفرنسي لم يحقق حتى الآن الاستقرار المنشود، كما لم ينجح الحليف الروسي في ملء الفراغ الأمني الذي خلفته باريس.

الحرب الأولى.. الإرهاب ما زال يتقدم

يبقى الملف الأمني أكبر تحد يواجه تراوري منذ وصوله إلى السلطة، فقد سجلت بوركينا فاسو نحو ربع الوفيات الناتجة عن الهجمات المسلحة عالميا خلال العام الماضي، كما شهدت 9 من بين أكثر 20 هجوما دموية في العالم خلال عام 2024.

وتقول منظمات حقوقية، بينها هيومن رايتس ووتش، إن العمليات العسكرية الحكومية أوقعت أعدادا كبيرة من الضحايا المدنيين، بينما تجاوز عدد النازحين داخليا وخارجيا مليوني شخص.

إبراهيم تراوري: من هو الجندي الذي يقف وراء أحدث انقلاب في بوركينا فاسو؟ | سي إن إن

ورغم إعلان الجيش بشكل متكرر القضاء على مئات المسلحين واستعادة بعض الطرق والمناطق، فإن الهجمات لا تزال مستمرة، ويواصل الجيش تكبد خسائر بشرية بصورة متكررة.

كما تتهم أطراف معارضة السلطات بممارسة انتهاكات تستهدف قومية الفولان، التي ينتمي إليها عدد من عناصر جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين"، وهو ما تنفيه الحكومة.

من سانكارا إلى تراوري

عند وصوله إلى السلطة، حرص تراوري وأنصاره على تقديمه باعتباره امتدادا لإرث الزعيم التاريخي توماس سانكارا، الذي اشتهر بمناهضة الاستعمار والدعوة إلى العدالة الاجتماعية والاستقلال الاقتصادي ودعمه للقضية الفلسطينية.

لكن منتقديه يرون أن صورته بدأت تتغير مع مرور الوقت، في ظل التقارب مع إسرائيل، والتشدد تجاه المؤسسات الإسلامية، والتضييق على الأحزاب والجمعيات، وهو ما يعتبرونه ابتعادا عن الإرث الذي ارتبط باسم سانكارا.

أربع جبهات.. ومستقبل مفتوح على مزيد من الصدام

بين الحرب على الجماعات المسلحة، والمواجهة مع فرنسا، والصدام مع الأحزاب والديمقراطية، ثم الجدل المتصاعد حول العرب والتعليم الديني، يجد إبراهيم تراوري نفسه أمام أربع جبهات متزامنة ترسم ملامح حكمه.

ورغم الخطاب الثوري الذي يتبناه، فإن حصيلة هذه المواجهات ما زالت محل جدل، في ظل استمرار التحديات الأمنية والاقتصادية، واتساع دائرة الانتقادات الداخلية والخارجية، ما يجعل مستقبل تجربته السياسية مفتوحا على مزيد من الصراعات والتحولات.

تم نسخ الرابط