كانت الأنظار خلال الأيام الماضية تتجه نحو القمة المرتقبة التي جرت بين الرئيس اللبناني جوزيف عون والرئيس الأمريكي دونالد ترامب. وتكمن أهمية هذه الزيارة في كونها الأولى منذ نحو عقدين من الزمان التي يزور فيها رئيس لبناني الولايات المتحدة الأمريكية ويعقد قمة رسمية مع رئيسها، حيث جاءت في توقيت بالغ الأهمية يحتاج فيه لبنان حتمًا إلى هذا النوع من التواصل الدولي.
ورغم كثرة التباينات والآراء داخل لبنان حول مغزى الزيارة وأسبابها وطبيعة الاستقبال، وانشغال البعض بالشكليات دون التمعن في جوهر الأمور وحقائقها، إلا أنه مما لا شك فيه أن لبنان بحاجة ماسة لهذه الزيارة. فعندما تستمر حالة العداء والقطيعة بين دولة بحجم لبنان ودولة عظمى بحجم الولايات المتحدة الأمريكية، فإن الخسائر ستكون كبيرة على الجانب اللبناني؛ خاصة وأن واشنطن هي القادرة على الضغط على إسرائيل في العديد من القضايا والمواقف التي تصب في مصلحة لبنان، وهي القادرة على كبح العدوان الإسرائيلي المتكرر، لكونها المزوّد الرئيسي لإسرائيل بالسلاح والمعلومات والإحداثيات الدقيقة عبر تقنياتها المتطورة.
وبالعودة إلى تفاصيل الزيارة، فقد تميزت بحفاوة استقبال ملحوظة من جانب الرئيس الأمريكي. وقد تحدث الرئيس اللبناني بلغة إنجليزية قوية وفصيحة، معبرًا عن تطلعات لبنان وخططه للنهوض بالبلاد وبناء علاقات تعتمد عقليتها على الانفتاح وتختلف عما كان سائدًا سابقًا من صدام متكرر. ولم يتحدث الرئيس إيجابيًا عن إسرائيل، بل ركّز على الشأن اللبناني وعلى ضرورة النأي بلبنان عن التهديدات الإقليمية، ولا سيما ما يتعلق بارتباط حزب الله بإيران.
وقبل انعقاد القمة، شهدت منطقة "زوبر الغربية" في الجنوب اللبناني (التابعة لقضاء النبطية) انسحابًا إسرائيليًا تدريجيًا، مما أوجد أملًا كبيرًا بأن يكون هذا الانسحاب خطوة تجريبية ونواة لانسحابات مستقبلية كاملة من باقي النقاط التي احتلتها إسرائيل. وتبرز أهمية هذه الخطوة في ظل وجود أعداد كبيرة من النازحين الجنوبيين الذين لم يتمكنوا من العودة إلى ديارهم بسبب التواجد الإسرائيلي.
وفي هذا السياق، جاءت زيارة رئيس الحكومة اللبناني القاضي نواف سلام لبلدة زوبر الغربية لتأكيد رسالة سياسية وأمنية في غاية الأهمية. فوصول موكب رئيس الحكومة برفقة قائد الجيش إلى أبعد نقطة في الجنوب دون أي عوائق أو أذى يعكس وجود تفاهمات دولية حقيقية تصب في مصلحة لبنان واستقراره.
ورغم هذه الدلالات، أعقبت الزيارة اعتراضات وانتقادات داخلية انتقصت من دور رئيس الحكومة، وطالبته بالانتفاض خلال فترة الحرب. لكن هذه الأصوات الناقدة لم تقدم أي آلية واقعية لما كان يُفترض أن يفعله رئيس الحكومة أو الدولة في مواجهة عدوان طاغٍ، خاصة وأن لبنان لا يمتلك سلاح جو أو قدرات عسكرية مجافية وموازية لإسرائيل. وتطرح هذه التطورات سؤالًا جوهريًا: هل المطلوب من لبنان أن يقدم نفسه ضحية ساحة للحرب، أم أن يتصرف وفق المعايير الدبلوماسية وسياسة الممكن لحماية أراضيه وشعبه؟