"أنا لم أفشل ألف مرة بل جربت ألف طريقة لا تعمل"، كانت تلك هي الجملة التي قالها العالم الشهير توماس إديسون حين توصل إلى اختراع المصباح الكهربائي بعد أكثر من ألف محاولة للإتيان بالمعادلة المطلوبة، وللحق لم يكون إديسون الوحيد في هذا الشأن فما من أحد حصل على جائزة نوبل في العلوم إلا وحكى كيف قضى سنوات طويلة يجرب ويجرب حتى توصل إلى الحل في النهاية.
رغم تلك العظمة وحلاوة التجربة ومرارة الفشل، يبدو أن الأمر سيصبح في القريب العاجل مجرد ذكرى وذلك بفضل تقنيات الذكاء الاصطناعي الجديدة، وإذا كان البعض قد حصر التطور في بعض النماذج التي تجيب على أي سؤال وتستخدم في حل المعادلات العادية فيجب عليه أن يدرك أن الأمر صار اخطر بكثير وبات مصير علماء كثر في يد الثورة التكنولوجية الجديدة.
ما أقوله هو بالضبط ما دفع جيف بيزوس إلى الإعلان خلال الايام الماضية عن استثماره في شركة Cusp AI وهي شركة لا تطور روبوتًا للدردشة، ولا منصة لكتابة النصوص بل تستخدم الذكاء الاصطناعي لاكتشاف وتصميم مواد جديدة في محاولة لاختصار رحلة كانت تستغرق من العلماء سنوات من التجارب إلى أشهر، وربما أسابيع في بعض الأوقات.
وللتوضيح اكثر فقد تأسست شركة Cusp AI عام 2024 وكانت فكرتها بسيطة ومثيرة في آن واحد، كيف يمكن ان نختصر عمل العلماء من خلال تقنيات الذكاء الاصطناعي؟ وكانت الإجابة في تقليل عدد تجاربهم وهو بالفعل ما حدث، فبدلًا من أن يضطر العلماء والباحثين إلى تجربة ألف محاولة لمعرفة أيهما يصلح لفكرته بات يتولى تلك المهمة أجهزة ونماذج ذكاء اصطناعي تحلل ملايين الاحتمالات على حاسوب ضخم ثم تفلتر تلك الاحتمالات حتى تصل إلى عشرات قابلة للنجاح بنسب كبيرة، وهنا يأتي دور العلماء في النهاية إذ يجربون تلك المواد ويختبرونها داخل المختبرات ما عد اختصار كبير لرحلة البحث العلمي من سنوات إلى أشهر وربما أسابيع في بعض المجالات.
ولعل أشهر مثال على ذلك ما أعلنته شركة Google DeepMind في أواخر 2023، عندما كشفت عن نموذج ذكاء اصطناعي يحمل اسم GNo ME تمكن من التنبؤ بأكثر من 2.2 مليون مادة بلورية جديدة، ورجّح أن نحو 381 ألفًا منها مستقرة وقابلة للتصنيع ولم يبق الأمر حبيس شاشات الحاسوب، إذ نجح الباحثون بالفعل في تصنيع أكثر من 700 مادة جديدة داخل المختبرات، بعدما اختار لهم الذكاء الاصطناعي أكثر التركيبات الواعدة وهو ما اعتبره كثير من العلماء أحد أكبر الإنجازات في تاريخ علم المواد.
بتلك الطريقة والرؤية تمكنت الشركة الناشئة Cusp AI خلال عامين فقط من أن تصل قيمتها التسويقية إلى 2.6 مليار دولار ولم يكن هذا التضخم ناتج عن الأرباح الضخمة بل لأن المستثمرون رأوا أن هذا الطريق سيعني اكتشاف مواد جديدة في صناعات تقدر بتريليونات الدولارات مثل الرقائق الإلكترونية والطاقة والسيارات والطيران والأدوية.
السبب ذاته هو ما دفع جيف بيزوس إلى الاستثمار في Cusp AI عبر شركته Bezos Expeditions بمبلغ يقدر بـ450 مليون دولار ليجد لنفسه موطأ قدم في المستقبل رغم المنافسات الشرسة مع شركات أخرى تعمل في نفس المجال وفي مقدمتهم Google DeepMind و Microsoft Research التي تستخدم الذكاء الاصطناعي في ابحاث الكيمياء.
الخلاصة أن التنافس لم يعد في نماذج الكتابة والرد والروبوتات كما يعتقد البعض، فالساحة الآن للاختراعات والمواد العلمية ومن يستطيع أن يصل في مختبره اسرع.