يبدأ عنوان المقال بسؤال استفهامي استدراكي يتناول واقع القضية في ظل الواقع المعقد والصعب والمأزوم للحالة السياسية الفلسطينية، في ظل انعدام الأفق لأي تطلعات قادمة من الممكن أن تفتح بوابة الأمل والعمل للإنجاز الفعلي والحقيقي لما يخدم مصالح عدالة القضية وحضورها الوطني والإنساني معًا بين أروقة المجتمع الدولي والمحافل العالمية. هذا كله وسط الحرب المستمرة والعدوان المتواصل على قطاع غزة لأكثر من عامين ونصف على التوالي بما يُوصف بحرب الإبادة من جهة، وبين واقع الشق الثاني من الوطن؛ الضفة الغربية، والتصعيد العسكري الإسرائيلي واستمرار الاستيطان، وكذلك واقع القدس الشرقية المحتلة وما تتعرض له من تهويد وتضييق الخناق على مواطنيها المقدسيين بكافة الطرق والوسائل الاستعمارية.
إذن، اليوم تشهد كافة الأراضي الفلسطينية المحتلة واقعًا استثنائيًا معقدًا لا يمكن الوقوف أمامه بعين المشاهد؛ لأن الوقت اليوم من دم يمر على الأراضي الفلسطينية، وخصوصًا على قطاع غزة تحديدًا، والدم هنا أسمى ضريبة انتماء وطني يقدمها المواطن في كل هذه الظروف المحيطة به بسبب علو وغلو الاحتلال الإسرائيلي في تصعيده ضد الإنسان والوجود الفلسطيني، ناهيك عن مجريات الأحداث والمستجدات المتلاحقة الإقليمية التي تعصف بالحروب والمواجهة.
وللعودة للسؤال الرئيسي للمقال في ظل كافة المعطيات السابقة الذكر: ما المطلوب من الفصائل الفلسطينية تجاه شعبها؟ فإن السؤال بحد ذاته يدق جدران الخزان من أجل أن تصحو الفصائل والتنظيمات الفلسطينية من غيبوبتها ونشواتها ونزواتها، وهذا من أجل إنقاذ ما يمكن إنقاذها، والحفاظ على الإنسان الفلسطيني الذي هو رأس مالنا الوطني.
في ظل الحرب المستمرة على غزة ومواصلة التصعيد على الضفة الغربية والقدس المحتلة، أثبتت الفصائل والتنظيمات الفلسطينية تراجعها وصولًا إلى مرحلة الفشل الحقيقي في إدارة الأزمة، وانحصارها داخل سياساتها وأفكارها وآرائها الضيقة الخاصة التي هي بمعزل تام عن تطلعات ورغبات المواطنين الفلسطينيين. ولم تقم الفصائل والتنظيمات قاطبة بتحديد أهداف وبرامج عملية واقعية تتوافق مع حالة الحرب والتصعيد المستمر من خلال النظرة الأشمل والأعمق للواقع بعيون المواطن البسيط الذي يعاني ويلات القصف والقتل والنكبة والدمار والمعاناة والجوع والحصار، بل كانت وما زالت الفصائل والتنظيمات الفلسطينية تأخذ معطيات الأمور والتعامل مع مجرياتها وفق رؤيتها ومصالحها، وخصوصًا في ظل واقع قطاع غزة ونزوح أكثر من مليون إنسان في مخيمات النزوح ومراكز الإيواء، وسيطرة الاحتلال الإسرائيلي على 70% من المساحة الجغرافية للقطاع.
اليوم الفصائل والتنظيمات الفلسطينية قامت بحصر نفسها في زاوية واحدة، ألا وهي كيفية الحفاظ على البقاء التنظيمي والحزبي أمام الجمهور والإعلام، دون تقديم أي خطط وبرامج وآليات عمل تستطيع النهوض بالواقع الفلسطيني من جديد؛ فاليوم المواطن يحتاج إلى الرعاية الإنسانية أكثر بكثير من الرعاية السياسية والهيمنة الحزبية، لأن المواطن يحتاج إلى مقومات إنسانية أكثر بكثير من السياسية التي تقوم على التنظير المفرغ والخطاب الإعلامي المستهلك.
اليوم الأحزاب والتنظيمات الفلسطينية فاقدةٌ للشيء، والفاقد للشيء لا يعطيه لأنه لا يمتلكه؛ فالواقع اليوم يقول إن الفصائل والتنظيمات فاقدة للبعد الجماهيري، وعاجزة عن إيجاد حلول واقعية وعملية منطقية لإدارة الأزمة السياسية الفلسطينية العامة.
اليوم شعبنا الفلسطيني بحاجة إلى رعاية معنوية إنسانية أكثر من الرعاية السياسية ذات المفاهيم الحزبية الخاصة الضيقة، وبحاجة إلى رعاية وطنية شاملة تقوم على أسس وقواعد عنوانها حماية وتلبية تطلعات ورغبات شعبنا بالعيش في هدوء واستقرار وحياة كريمة خالية من الحروب والانقسامات والنزاعات.
اليوم شعبنا -وخصوصًا في قطاع غزة- بحاجة ملحة إلى إعادة تأهيل نفسي واجتماعي وإنساني ضمن رؤية سياسية تقوم على الإنجازات البعيدة عن الخطابات والشعارات.
المطلوب من الفصائل والأحزاب الفلسطينية النظر بعمق للبعد العربي، والرجوع للحاضنة العربية وللدول الشقيقة التي تقف بجانب شعبنا الفلسطيني، وأن تستمع الفصائل والتنظيمات إلى الرأي العربي الذي يهدف لإنقاذ شعبنا من ويلات الحروب والأزمات والنكبات؛ حتى تكون هذه الدول العربية الشقيقة حصنًا منيعًا وداعمًا مستمرًا لعدالة القضية ولشعبنا على كافة الصعد والمستويات، والنظر بعين الأهمية للمعطيات والحالة الإقليمية ووضعها بالحسبان وكفة الميزان من أجل التقدم خطوة للأمام بما يضمن مصالح شعبنا المختلفة.
المطلوب من الفصائل والتنظيمات الفلسطينية تجاه شعبنا الاحتكام للغة العقل والمنطق والواقع، والتعامل مع مجريات الأحداث والمستجدات المتلاحقة بروح المسؤولية الفلسطينية العربية المشتركة من أجل استعادة الحياة تدريجيًا، وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من أجل الوصول لمستقبل وطن.