عاجل

المدينة تحت الأرض.. كيف تحولت شبكة أنفاق حزب الله في جنوب لبنان لهدف إسرائيلي؟

المدينة تحت الأرض
المدينة تحت الأرض

واجه مشروع "المدينة تحت الأرض" التابع لحزب الله في جنوب لبنان، بعد أكثر من عقدين من العمل السري والاستثمارات الضخمة، مما تصفه تقارير إسرائيلية بانهيار شبه كامل، خاصة في منشآته المحيطة بقلعة شقيف التاريخية، عقب السيطرة الإسرائيلية على الموقع.

ووفقًا لمركز "ألما" الإسرائيلي، تقدر تكلفة إنشاء هذه الشبكة الواسعة بما يتراوح بين مليار و3 مليارات دولار على الأقل، وهي أموال تقول التقارير إنها جاءت بدعم إيراني، قبل أن تصبح هذه البنية التحتية هدفًا للعمليات العسكرية الإسرائيلية.

وكانت شبكة الأنفاق تعد أحد أهم عناصر العقيدة القتالية لحزب الله، إذ صممت لتوفير القدرة على الصمود أمام الضربات الجوية، والحفاظ على مراكز القيادة والسيطرة، وتأمين نقل القوات والأسلحة بعيدًا عن الرصد الجوي، إلا أن هذه المنشآت تحولت إلى أهداف لعمليات هندسية تهدف إلى تدميرها ومنع إعادة استخدامها مستقبلًا.

ووفقًا لصحيفة "معاريف" الإسرائيلية، بدأ مشروع الأنفاق بالتوسع بشكل كبير عقب حرب يوليو 2006، بتمويل إيراني ومساعدة فنية من كوريا الشمالية، فيما تعود جذور التعاون بين الجانبين إلى أواخر ثمانينيات القرن الماضي، حين تلقى عناصر من حزب الله تدريبات في كوريا الشمالية.

دور كوريا الشمالية في بناء الشبكة

وتشير التقارير إلى وصول خبراء كوريين شماليين إلى جنوب لبنان عام 2000 للمساهمة في تطوير منظومة الأنفاق والمخابئ، حيث لعبت شركة "كوميد" الكورية الحكومية، المتخصصة في أعمال البنية التحتية تحت الأرض والمرتبطة بتجارة الأسلحة، دورًا في نقل الخبرات والمعدات اللازمة للمشروع.

أما التنفيذ على الأرض فتولته مؤسسة "جهاد البناء" التابعة لحزب الله، عبر استخدام شركات مدنية كغطاء لإخفاء الطابع العسكري للمنشآت.

ووفقًا للتقارير الإسرائيلية، لم تقتصر الأنفاق على ممرات صغيرة، بل شكلت شبكة مترابطة امتدت لمئات الكيلومترات، وربطت بين بيروت والبقاع والجنوب اللبناني، وشملت مواقع قيادة، ومستودعات أسلحة، ومنشآت للطائرات المسيرة، وأنفاقًا تستخدم في عمليات الإمداد والتهريب على الحدود اللبنانية السورية.

حرب 2023 تكشف شبكة الأنفاق

وتقول التقارير إن الحرب التي اندلعت في أكتوبر 2023، كشفت أجزاء واسعة من هذه البنية التحتية، التي كان الهدف منها تمكين حزب الله من خوض مواجهة طويلة الأمد من تحت الأرض.

ومن أبرز المواقع التي جرى الحديث عنها مجمع في بلدة كفر تبنيت قرب النبطية، احتوى على مركز قيادة رئيسي وشبكة أنفاق فرعية امتدت أسفل القرية والمناطق المحيطة بها، بالإضافة إلى ممرات تكتيكية تسمح بتحرك المقاتلين والوصول إلى مواقع الإطلاق دون التعرض للمراقبة الجوية.

أما الاكتشاف الأبرز، وفقًا لـ معاريف، فكان في منطقة جبال علي طاهر قرب قلعة شقيف، حيث عثر على نظام دفاع جوي داخل نفق محصن، يعتمد على قضبان معدنية لتحريك مدافع مضادة للطائرات إلى مواقع إطلاق محفورة داخل الجبل، مع إمكانية تشغيلها من غرف تحكم محمية.

وتهدف هذه المنظومة إلى تقليل فترة تعرض الأسلحة للرصد والاستهداف، عبر إخراجها واستخدامها ثم إعادتها سريعًا إلى داخل الأنفاق.

منشآت بتجهيزات عسكرية متقدمة

وتشير التقديرات إلى أن بعض الأنفاق حفرت على أعماق تصل إلى 40 مترًا داخل الصخور، واحتوت على غرف قيادة واتصالات، ومستودعات أسلحة، ومرافق طبية، وغرف عمليات، بالإضافة إلى أنظمة تهوية وتنقية هواء، وشبكات كهرباء واتصالات ومولدات.

وتتراوح تكلفة إنشاء متر واحد من هذه الأنفاق، وفق التقديرات الإسرائيلية، بين 2000 و5000 دولار، فيما قد تصل تكلفة كيلومتر واحد منها إلى ملايين الدولارات، دون احتساب تكاليف التجهيزات الداخلية.

كما شكل التخلص من كميات الصخور الناتجة عن عمليات الحفر تحديًا كبيرًا، حيث جرى نقلها وإخفاؤها في مناطق مختلفة لتجنب كشف المشروع عبر وسائل الاستطلاع الجوي.

تفجير مئات الأطنان من المتفجرات

وفي بلدة القنطرة، تقول التقارير إن القوات الإسرائيلية واجهت مجمعين كبيرين أطلق عليهما اسما "عكا" و"عراد"، ووصفت بأنها "مدن ملجأ" تحت الأرض، حيث استخدمت أكثر من 470 طنًا من المتفجرات لتدميرهما، مما تسبب في هزات أرضية بلغت قوتها 3.4 درجة على مقياس ريختر.

أما في منطقة قلعة شقيف، فالوضع أكثر تعقيدًا بسبب القيمة التاريخية للموقع، مما دفع المهندسين الإسرائيليين إلى دراسة خيارات بديلة، من بينها ملء الأنفاق بالخرسانة لمنع إعادة استخدامها.

ونقلت "معاريف" عن مصدر عسكري إسرائيلي قوله إن الهدف هو جعل هذه المنشآت غير قابلة للإصلاح، بحيث يضطر حزب الله، في حال عودته إليها، إلى إعادة بناء شبكة جديدة من الصفر.

وأضاف المصدر أن تدمير الأنفاق لا يهدف فقط إلى تحقيق مكاسب عسكرية، بل يحمل أيضًا دلالة رمزية تتمثل في القضاء على أحد أبرز مشروعات حزب الله العسكرية.

تم نسخ الرابط