ليس أكثر إيلامًا من الفقر، إلا أن يجبرك الناس على الاعتذار لأنك فقير. وليس أقسى من الجوع، إلا أن تتحول لقمة العيش إلى تهمة، وأن يصبح هاتف محمول قادرًا على كسر خاطر رجل خرج يبحث عن ألف جنيه يدفع بها مصروف حضانة ابنته؛ فمتى أصبحت الرحمة عبئًا، وصار تصوير المقهورين بطولة؟ ولماذا بقينا قساة إلى هذا الحد؟
لم تعد القصص التي تؤلمنا هي تلك التي تنتهي بجريمة أو دماء أو صراخ؛ أحيانًا تكون أكثر القصص قسوة هي تلك التي تنتهي بصمت. صمت رجل انحنى فوق الأرض يجمع زجاجة بلاستيكية أو قطعة حديد صدئة، لا لأنه يحب هذا العمل، بل لأن الحياة دفعت به إليه بعدما أغلقت في وجهه أبواب الرزق. رجل كان بالأمس صاحب حرفة يعتز بها، يعمل بيديه، ويعود إلى بيته مرفوع الرأس، ثم جاءت الأيام بما لا تشتهي القلوب، فتعطلت المهنة، وضاق الحال، ولم يبق أمامه إلا أن يبحث في الشوارع عن لقمة حلال.
ليس العيب أن يعمل الإنسان أي عمل شريف، فالعمل لا يعيب صاحبه، وإنما العيب أن ننظر إليه باحتقار لأنه اضطر إلى تغيير طريق رزقه. ما الذي حدث لنا حتى أصبح الرجل الذي يبحث عن قوت يومه موضع ريبة؟ لماذا صارت ملابس التعب تثير الشك أكثر مما تثير التعاطف؟ ولماذا أصبح الفقير مطالبًا كل يوم بأن يشرح للناس سبب فقره، وكأن ضيق الحال جريمة تستوجب التحقيق؟
المؤلم في مثل هذه الوقائع ليس فقط ما يتعرض له الإنسان من قسوة الظروف، وإنما ما يتعرض له من قسوة البشر؛ فهناك من يرى رجلًا منكسرًا، لا فيمد إليه يدًا، بل يمد إليه هاتفًا. يفتح الكاميرا قبل أن يفتح قلبه، ويبدأ في التصوير قبل أن يسأل: هل تحتاج إلى مساعدة؟ وكأن الإنسانية أصبحت مؤجلة إلى ما بعد انتهاء التصوير.
لقد خلق الله الستر ليحفظ كرامة الناس، لكننا أصبحنا نعيش زمنًا يُكشف فيه ضعف الإنسان بضغطة زر. يكفي أن يخرج أحدهم هاتفه حتى تتحول معاناة شخص بسيط إلى مادة يتداولها الآلاف، ويجلس الغرباء يحاكمونه ويحللون حياته ويصدرون الأحكام عليه، بينما هو لا يملك إلا أن يطأطئ رأسه ويكمل طريقه.
كم هو موجع أن يخرج أب من بيته وكل ما يشغل باله أن يعود بما يسد احتياجات أسرته، ثم يعود محملًا بشيء أثقل من الفقر نفسه، وهو انكسار الكرامة؛ فالجوع يمكن احتماله، وضيق الرزق قد يفرجه الله، أما كسرة الخاطر فهي جرح لا يراه أحد، لكنه يبقى ساكنًا في القلب طويلًا.
وأشد ما يؤلم أن هذا الرجل، وفق الروايات المتداولة، لم يختر طريقًا يضر به أو بغيره؛ لم يحمل سكينًا في وجه أحد، ولم يسرق، ولم يبع ضميره، بل اختار الطريق الأصعب؛ أن يتعب ليأكل بالحلال. أليس من حقه أن يحظى بالاحترام؟ أليس من حقه أن يمر في الطريق دون أن يشعر أنه موضع اتهام لمجرد أنه فقير؟
لقد تغير شيء عميق فينا؛ كانت الشهامة قديمًا تعني أن تستر المحتاج، وأن تعينه في صمت، وأن تحفظ ماء وجهه. أما اليوم، فقد أصبح بعض الناس يظن أن البطولة تبدأ من زر التسجيل في الهاتف؛ يصور، وينشر، وينتظر التعليقات والإعجابات، غير ملتفت إلى أن وراء هذا المقطع أسرة كاملة قد تدفع ثمنه من كرامتها وراحتها النفسية.
ليست المشكلة في الهاتف، فالتكنولوجيا نعمة إذا استُخدمت فيما ينفع؛ المشكلة في القلب الذي يقبض على الهاتف ولا يشعر بالإنسان الذي يقف أمامه. فالكاميرا لا ينبغي أن تكون بديلًا عن الضمير، ولا وسيلة لإذلال البسطاء أو تحويلهم إلى مشاهد عابرة على صفحات التواصل.
إن المجتمعات لا تُقاس بعدد الأبراج ولا بسرعة الإنترنت، وإنما تُقاس بمدى احترامها لأضعف أبنائها؛ فإذا فقد الفقير شعوره بالأمان، وأصبح يخشى عدسات الهواتف أكثر مما يخشى قسوة الأيام، فهذه ليست أزمة رجل واحد، بل أزمة ضمير.
لا أحد ينكر أن للجهات المختصة حقها في التحقق من أي واقعة إذا اقتضى الأمر، فهذا جزء من تطبيق القانون. لكن هناك فرقًا شاسعًا بين القانون وبين التشهير، وبين التحقق وبين كسر الخواطر؛ فالعدالة لا تعني أن نُسقط كرامة الإنسان، بل أن نصونها حتى ونحن نبحث عن الحقيقة.
ربما لا يعرف كثيرون معنى "كسرة الخاطر"؛ لأنها لا تُقاس بالأرقام، ولا تظهر في التقارير، لكنها من أشد الآلام التي يمكن أن يعيشها الإنسان. هي تلك اللحظة التي يشعر فيها الرجل أنه لم يعد قادرًا على النظر في عيون أولاده لأنه عاد إليهم مثقلًا بالإهانة، لا بالتعب فقط. وهي اللحظة التي تبكي فيها الزوجة لأنها ترى شريك عمرها يُعامل كأنه متهم، بينما كان كل ذنبه أنه خرج يبحث عن رزق حلال.
نحن في حاجة إلى أن نستعيد شيئًا فقدناه وسط ضجيج الهواتف ومطاردة الترند، وهو الرحمة؛ أن نتذكر أن كل إنسان نقابله يحمل قصة لا نعرفها، وأن الفقر قد يطرق باب أي بيت، وأن الأيام لا تثبت لأحد. فمن كان بالأمس صاحب ورشة أو متجر، قد يصبح اليوم باحثًا عن أي عمل شريف يحفظ به أسرته من السؤال.
لعل هذه الواقعة، مهما اختلفت تفاصيلها، تكون جرس إنذار لنا جميعًا؛ ليس لنراجع هواتفنا، بل لنراجع قلوبنا. فالعالم لا يحتاج إلى مزيد من المصورين، بقدر ما يحتاج إلى مزيد من الرحماء، ولا يحتاج إلى من يلتقط صورة لإنسان مكسور، بل إلى من يجبر خاطره قبل أن يغادر المكان.
فالرحمة ليست ضعفًا، والستر ليس تخلفًا، وجبر الخواطر ليس عملًا ثانويًا، بل هو من أسمى ما يبقى في ميزان الإنسانية. وإذا فقد المجتمع هذه القيم، فلن يكون الفقر هو أخطر ما يهدده، وإنما قسوة القلوب التي لا ترى في الإنسان إلا مشهدًا يصلح للتصوير، وتنسى أنه روح لها كرامة، وأن كسرها قد يكون ذنبًا لا يمحوه اعتذار.