عاجل

هناك لحظات في حياة الإنسان تبدو في ظاهرها عابرة، أو ربما مؤلمة، لكنها تحمل في داخلها معاني لا نكتشفها إلا بعد مرور الوقت. فكم من أمر ظنناه خسارة، ثم اكتشفنا أنه كان حماية، وكم من باب أُغلق أمامنا، ثم أدركنا أن وراء إغلاقه طريقًا آخر أكثر رحمة وخيرًا. تلك هي فكرة “اللطف الخفي” التي عبّرت عنها كلمات خالدة بقيت مرتبطة بصوت من أكثر الأصوات حضورًا في الوجدان العربي، صوت الشيخ سيد النقشبندي.
خلال رحلتي إلى مدينة طنطا، في إطار البحث عن تفاصيل فيلمي الوثائقي “الطريق الطويل.. سيرة النقشبندي”، كان من بين الكنوز التي توقفت أمامها مفكرات الشيخ سيد النقشبندي التي دوّنها بخط يده، والتي امتدت كتاباتها منذ عام 1945 وحتى وفاته. لم تكن تلك الصفحات مجرد ملاحظات شخصية، بل كانت نافذة على عالمه الروحي والإنساني، تكشف عن جانب آخر من شخصية الرجل الذي عرفه الناس من خلال صوته، بينما تحمل كلماته المكتوبة تفاصيل أكثر عمقًا عن تجربته ورؤيته للحياة.
وبين صفحات هذه المذكرات، وجدت عبارة لافتة كتبها الشيخ: “وكم لله من لطفٍ خفيّ”. لم تكن مجرد جملة عابرة، بل كانت مفتاحًا لقصة إنسانية وروحية مؤثرة. فقد ذكر الشيخ أنه أنشد هذه الكلمات عقب عودته من رحلة الحج، بعد موقف ترك أثرًا عميقًا في نفسه، وجعله يرى الأحداث بمنظار مختلف.
يروي الشيخ سيد النقشبندي في مذكراته أنه أثناء رحلة العودة من الحج تأخر عن موعد الطائرة، وشعر حينها بالحزن والضيق بسبب هذا التأخير الذي بدا له وقتها أمرًا مزعجًا وخارجًا عن رغبته. كان الإنسان بطبيعته يميل إلى التساؤل أمام ما يعطله أو يؤخره عن هدفه، وقد يرى في الأمر عائقًا أو خسارة، لكنه لم يكن يعلم أن هذا التأخير يحمل له نجاة لا يدركها.
بعد فترة قصيرة، فوجئ بخبر احتراق الطائرة التي كان من المفترض أن يستقلها، ووفاة جميع من كانوا على متنها. عندها تبدلت مشاعر الحزن إلى حمد وشكر، وتحول التأخير الذي ظنه أمرًا سلبيًا إلى علامة واضحة على رحمة الله ولطفه. أدرك الشيخ أن الإنسان قد يرى جزءًا صغيرًا من الصورة، بينما تحمل الأقدار تفاصيل أكبر لا يستطيع إدراكها في لحظتها.

وعندما عاد إلى القاهرة، لم يمر هذا الموقف بالنسبة له كحادث عابر، بل أقام مأدبة وعزاء شكرًا لله على نجاته، وكانت تلك التجربة سببًا في إنشاده قصيدة “فكم لله من لطفٍ خفيّ”، التي أصبحت واحدة من أشهر ما ارتبط باسمه. لم تكن القصيدة مجرد ابتهال، بل كانت تعبيرًا صادقًا عن تجربة عاشها بنفسه، وعن يقين راسخ بأن وراء كل قدر حكمة، حتى وإن غابت عن أعيننا في البداية.
إن قصة هذه القصيدة تكشف جانبًا مهمًا من شخصية الشيخ سيد النقشبندي؛ فهو لم يكن مجرد صوت جميل يؤدي الابتهالات، بل كان صاحب تجربة روحية عميقة، يرى في الأحداث اليومية إشارات ومعاني تتجاوز ظاهرها. وربما كان هذا هو سر وصول صوته إلى قلوب الملايين؛ لأنه لم يكن يغني كلمات فقط، بل كان ينقل إحساسًا صادقًا خرج من تجربة عاشها وآمن بها.
تبقى عبارة “فكم لله من لطفٍ خفيّ” حاضرة في وجدان الناس لأنها تتجاوز قصة شخص بعينه، لتصبح معنى إنسانيًا عامًا. فهي تذكرنا بأن الحياة لا تُقرأ دائمًا من لحظتها الأولى، وأن بعض المنع قد يكون حماية، وبعض التأخير قد يكون نجاة، وأن الإنسان يحتاج أحيانًا إلى الثقة بأن ما لا يراه اليوم قد يكشف له الغد حكمته.
رحم الله الشيخ سيد النقشبندي، صاحب الصوت الذي بقي شاهدًا على جمال الابتهال وروحانية الدعاء، وصاحب التجربة التي جعلت من موقف شخصي قصيدة خالدة تحمل رسالة أمل وطمأنينة لكل من يمر بلحظة لا يفهم معناها بعد

تم نسخ الرابط