في مسيرة الأمم تفصل مسافات شاسعة بين الموهبة الفطرية ومنصات التتويج، لا يملؤها سوى تخطيط وعلم ورؤية وطنية مخلصة تتبنى الموهوبين منذ المهد. ولطالما كانت مصر رحمًا ولودًا للأبطال الذين يطوعون الصخر بعزيمة لا تلين، غير أن معادلات الرياضة الحديثة لم تعد تعترف بالجهود الفردية العفوية ولا بالحماس المعتمد على الصدفة؛ فالذهب الأولمبي بات يولد اليوم في مختبرات القياسات الفسيولوجية، ويُصاغ داخل أروقة أكاديميات تخطط للمستقبل بأناة وصبر.
من هذه الرؤية العلمية المستنيرة، تتبلور الحاجة الملحّة لتدشين مشروع قومي عملاق يحمل اسم "الأكاديمية الوطنية للرياضة للمواهب"، وهي فكرة تستلهم عبقرية التجربة المغربية التي صاغت ملحمة كروية تاريخية بأقدام خريجي "أكاديمية محمد السادس"، لتعيد قراءتها وتطبيقها برؤية مصرية أرحب، وخصوصًا لكرة القدم ومواهب الألعاب الفردية من قرى ونجوع مصر، وتنأى عن حصر الاستثمار في المستطيل الأخضر، وتتجه بكامل طاقتها صوب الرياضات الفردية لتجعل منها بوابتنا الذهبية لسيادة المحافل الدولية في الدورات الأولمبية القادمة.
إن الملحمة المغربية لم تكن ومضة عابرة في سماء الرياضة العربية، بل كانت برهانًا ساطعًا على أن المعجزات هي صناعة ثقيلة قوامها التخطيط بعيد المدى، والتنقيب العلمي المنهجي، والدمج الخلاق بين التحصيل المعرفي والصقل البدني. وإذا كان هذا النموذج قد أحدث ثورة ملهمة في رياضة جماعية ككرة القدم، فإن إسقاطه على واقعنا الرياضي بمصر، مع توجيه الدفة نحو الألعاب الفردية، كفيل بأن يحدث طفرة أولمبية غير مسبوقة.
فالرياضات الفردية مثل رفع الأثقال، والمصارعة الرومانية، والتايكوندو، والسلاح، والخماسي الحديث، هي الميادين التي يمتلك فيها الرياضي المصري جينات التفوق والصلابة والقدرة الفريدة على التحمل، وهي القنوات الأسرع والأكثر يقينًا لترجمة الجهد البشري والمالي إلى ميداليات ذهبية ترفع راية الوطن في المحافل العالمية بأعلى كفاءة وأقل كلفة.
غير أن نجاح هذا الصرح القومي لن يتوقف عند حدود المنشآت الرياضية الفاخرة أو الأجهزة الطبية المتطورة، بل يرتكز بالأساس على عقيدة الاختيار وفلسفته، وهنا تحديدًا تتلاقى الفكرة مع الرؤية الإنسانية والوطنية العميقة لفخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي. لقد وضع الرئيس يده على مكمن الداء ووصف الدواء الشافي حين شدد على حتمية "التجرد الكامل في الاختيار" كمعيار أوحد ومقدس لتكافؤ الفرص، موجهًا بضرورة تسيير بعثات كشفية متخصصة تتوغل في أعماق الريف والصعيد، وتنفذ إلى النجوع والقرى النائية التي طالما غابت عن خارطة الرعاية والاهتمام. فالموهبة الفذة لا تستأذن الحواضر الكبرى لتولد فيها، بل كثيرًا ما تنبت كزهرة برية وسط صخور المعاناة والحاجة الشديدة، عاجزة عن مد بصرها خارج حدود قريتها بسبب قلة الإمكانات وضيق ذات اليد.
من هنا، تولد رسالة الأكاديمية الوطنية للرياضة لتبادر بالذهاب إلى هؤلاء الأبطال المستترين في ثنايا الوطن، تنتشلهم بتجرد مطلق من عوزهم، وتوفر لهم بيئة احترافية متكاملة تتولى رعايتهم ماديًا وصحيًا وتربويًا ونفسيًا. فداخل هذا الصرح، لن يجد البطل البسيط حلبة تدريب فحسب، بل سيجد نمط حياة يرقى بوجوده الإنساني والمعرفي عبر برامج معايشة كاملة وتعليم مدمج متميز، فضلاً عن الرعاية الغذائية الدقيقة والإعداد النفسي الرصين الذي يكسر في وجدانه رهبة مواجهة أبطال العالم. وبذلك يتحول هذا المشروع من مجرد مؤسسة رياضية إلى حاضنة وطنية تصنع الإنسان قبل البطل، وتستثمر في الذهب البشري الكامن في وجدان البسطاء.
إن تأسيس الأكاديمية الوطنية للرياضة بروح العدالة والتجرد، وتسليح أبطالها بالاحتكاك الدولي المستمر والخبرات العالمية، هو الانعكاس الأصدق لقيم الجمهورية الجديدة التي لا تترك أحدًا خلف الركب. وحين يقف ابن قرية مصرية منسية على أعلى منصة تتويج أولمبية، والدموع تغالب عينيه وهو يرى علم بلاده يرتفع في عنان السماء والنشيد الوطني يصدح في الآفاق، لن يكون ذلك مجرد فوز في مباراة، بل سيكون إعلانًا مدويًا للعالم بأسره أن مصر العظيمة تصنع أمجادها بإنصاف علمي وتخطيط دقيق، معيدة كتابة التاريخ بأيدي أبنائها المخلصين الذين ولدوا من رحم أرضها الطيبة ليقودوها إلى قمم المجد.