عاجل

اليتيم في كفالة الإسلام والإنسانية ليس حالة مؤقتة تنتهي بصلاحية تاريخ معين، أو برقم يكتب في البطاقة الشخصية، بل هو ابن أصيل لهذا المجتمع طوال العمر، يفرض علينا احتضانه كواجب ديني وأخلاقي نابع من المحبة والرحمة.. ومن هنا، يجب أن نتوقف عن استخدام مصطلحات جافة ومكسورة مثل "ملجأ" أو "دار أيتام" بما تحمله من غصة نفسية وكسر لقلوب الأبناء، ونستبدلها في كل اللوائح والمكاتبات بمسمى ينبض بالدفء والأمان: "دار العائلة".. إن الكلمة الطيبة هي أولى خطوات الرعاية، وتغيير المسمى ليس رفاهية لغوية، بل هو ترميم حقيقي لكرامة أطفال لا ذنب لهم سوى أنهم وجدوا أنفسهم بلا أب أو أم، وينتظرون من المجتمع أن يكون هو الأب البديل والعائلة البديلة التي تعوضهم عن مرارة الفقد والحرمان.
إن الأزمة الحقيقية والصادمة التي نواجهها اليوم في دور الرعاية ليست في توفير الوجبات اليومية، أو الملابس الموسمية، بل هي في التحديات التي قد يواجهها بعض الشباب والفتيات عند بلوغهم سن الـ18 أو الـ19 عاماً.
وبحسب الضوابط المنظمة، قد يجد بعض الأبناء أنفسهم مطالبين بالانتقال إلى مرحلة جديدة من حياتهم، بينما لا يزالون بحاجة إلى مزيد من التأهيل والدعم السكني والمهني والاجتماعي.
نحن أمام معضلة إنسانية، فكيف لشباب في مقتبل العمر، لم يختبروا الحياة خارج أسوار الدار، أن يتدبروا أمورهم في الصباح التالي لخروجهم؟.
وقد يصبح بعضهم أكثر عرضة للتشرد أو صعوبات الاندماج المجتمعي، بدلاً من أن نوفر لهم الأمان والسند، ثم نلومهم لاحقاً على تعثرات كان يمكن تجنبها بالدعم والرعاية.
من هنا أتوجه بنداء رحمة إلى السيدة وزيرة التضامن الاجتماعي، الدكتورة مايا مرسي، هذا النداء الإنساني العاجل إلى معالي الوزيرة، التي نثق فيها ونقدرها، بصفتها الأم والمسؤولة الأولى عن هذا الملف، ليس للمطالبة بقرارات مؤقتة بل بتبني استراتيجية رحيمة، عملية، وصارمة تنقذ مستقبل هؤلاء الأبناء، من خلال ثلاثة محاور أساسية.
أولاً: إنهاء فجوة الخروج المفاجئ والتمكين السكني والمهني، فإن خروج الشاب أو الفتاة في سن الثامنة عشرة لا يجب أن يعني "النهاية والطرد إلى المجهول"، بل يجب أن يكون بداية لمرحلة جديدة تسمى "التمكين والاعتماد على النفس تحت عين ورعاية الدولة".. نطالب بخلق فترة انتقالية إلزامية مرنة، بحيث لا يخرج أي شاب أو فتاة دون توفير بديل سكني آمن ومنفصل ومدعوم بشكل كامل (كشقق التمكين السكني للشباب)، مع فتح مسارات توظيف فعالة فور تخرجهم بالتنسيق مع رجال الأعمال والمؤسسات الكبرى في الدولة.. الولد يحتاج إلى مهنة كريمة وحرفة حقيقية يعيش منها ويصنع من خلالها مستقبله، والبنت تحتاج إلى بيئة آمنة ومستقرة تحميها من مخاطر الاستغلال أو التشرد، وهذا هو عين الرحمة والمنطق الإنساني الذي يجب أن تحكم به القوانين.
ثانياً: التأهيل النفسي والسلوكي الحقيقي وترميم الانكسارات.
الأبناء داخل هذه الدور لا يحتاجون إلى مجرد "مشرفين" وظيفتهم سد الخانات، أو "حراس" يراقبون حركاتهم وسكناتهم بجفاء وقسوة، بل يحتاجون إلى عقول واعية وقلوب رحيمة تحتويهم وتفهم طبيعة انكسارهم.
ومن هنا أطالب بإلزام كافة الدور دون استثناء بالاستعانة الحقيقية بخريجي كليات الخدمة الاجتماعية، والطب النفسي، والمتخصصين الأكاديميين في تعديل السلوك.. هؤلاء الأطفال مروا بصدمات نفسية وجروح غائرة في طفولتهم بفقدان الأهل والأمان الأسري، ويحتاجون إلى برامج رعاية نفسية مكثفة تبني شخصياتهم وترمم انكساراتهم الداخلية، لتأهيلهم نفسياً وسلوكياً للاندماج في المجتمع كأفراد أصحاء، واثقين من أنفسهم، وقادرين على العطاء بدلاً من الانعزال أو الشعور بالرفض المجتمعي.
ثالثاً: رقابة مركزية صارمة لحمايتهم من القسوة.
من المهم تعزيز منظومة الرقابة بما يضمن توحيد معايير الرعاية وعدم تركها لاجتهادات فردية قد تؤثر في جودة الخدمة المقدمة للأبناء.. ونطالب بفرض نظام رقابة مركزي صارم ومستدام، مدعوم بشبكة كاميرات متطورة تغطي كافة المرافق وتربط الدور بمديريات الوزارة مباشرة على مدار الساعة.. كما يجب تفعيل جولات تفتيشية مفاجئة من قيادات الوزارة لمتابعة مستوى الرعاية والمعاملة اليومية، لضمان ألا يتعرض أي طفل أو شاب لمعاملة قاسية، أو انتهاك، أو إهانة تجرح كرامته داخل هذه البيوت.. إن كرامة الابن خط أحمر، ويجب أن تُحاسب أي إدارة يثبت تقصيرها وفقاً للقانون، دون تهاون أو مواربة.
إن هؤلاء الأبناء ليسوا مجرد أرقام، وليسوا حالات للعطف والشفقة الموسمية أو وسيلة للدعاية، بل هم أولادنا وبناتنا، وجزء لا يتجزأ من نسيج هذا الوطن الغالي وقوته البشرية القادمة.. إن تغيير المسمى رسمياً إلى "دار العائلة"، وفرض الحماية والرعاية القانونية والمعيشية لهم بعد سن الثامنة عشرة، هو طوق النجاة الحقيقي الذي يضمن أن نخرج للمجتمع أفراداً صالحين، منتجين، ومحبين لوطنهم، بدلاً من تركهم يواجهون مستقبلاً مجهولاً لا ذنب لهم فيه.. فهل يجد نداء الرحمة هذا صدى وتطبيقاً سريعاً على أرض الواقع يثلج قلوب هؤلاء الشباب؟.

تم نسخ الرابط